
1 تموز/ يوليو 2026
أكدت الدكتورة حنان بلخي المديرة الإقليمية لمنظمة الصحة العالمية أن إقليم شرق المتوسط لا يستأثر إلا بأقل من 10% من سكان العالم، ومع ذلك، يمثل ما يقرب من نصف العبء الإنساني في العالم.
ويعني ذلك ببساطة أن هذا الإقليم فيه شخص واحد من كل شخصين تضررًا بالأزمات الإنسانية في العالم.
ومن بين 1.12 مليار دولار أمريكي تحتاج إليه منظمة الصحة العالمية لتمويل عمليات الطوارئ عالميًّا في عام 2026، يتركز أكثر من نصف تلك الاحتياجات في إقليم شرق المتوسط وحده. إلا أن أكثر من 40% من التمويل المطلوب لهذا الإقليم لا يزال ناقصًا.
وفي الوقت الذي نواصل فيه الاستجابة للحروب في غزة ولبنان والسودان، والأزمات الإنسانية في أفغانستان واليمن والصومال، والجفاف المتزايد في القرن الأفريقي، وخطر الإيبولا، وآثار التصعيد الإقليمي الأوسع الذي يؤثر في 15 بلدًا على الأقل، لا نزال نضطلع بهذه الاستجابات بموارد لا تتجاوز جزءًا بسيطًا مما نحتاج إليه.
ويعني نقص التمويل عدم قدرة الأمهات على الحصول على خدمات رعاية الأمومة، وعدم حصول الأطفال على التطعيمات، وعدم حصول المرضى على الأدوية الأساسية، وترك المجتمعات المحلية عرضة للفاشيات.
ويتضح هذا الواقع جليًّا في الشرق الأوسط، إذ أضافت التطورات الأخيرة عبئًا جديدًا إلى الضغوط التي تواجهها النُّظُم الصحية والعمليات الإنسانية، التي وصلت بالفعل إلى أقصى طاقاتها.
ويعمل مركز الإمدادات اللوجستية التابع للمنظمة في دبي حاليًّا على دعم أكبر عدد من عمليات الطوارئ المتزامنة منذ جائحة كوفيد-19.
وقد أرسل منذ أواخر شباط/ فبراير الماضي إمدادات بقيمة 5 ملايين دولار إلى 26 دولة في جميع أنحاء العالم، لتصل إلى أكثر من 8 ملايين شخص، على الرغم من ارتفاع تكاليف النقل بنحو 50%.
وترحب المنظمة بجميع الجهود الرامية إلى تحقيق وقف دائم للأعمال العدائية في جميع أنحاء إقليم الشرق الأوسط. ويبقى تحقيق مزيد من التقدم في مسار وقف التصعيد أمرًا أساسيًّا لحماية المدنيين، وصَوْن الخدمات الصحية، وضمان وصول المساعدات الإنسانية.
ومع ذلك، يساورنا قلق بالغ إزاء المجتمعات المتضررة، وإزاء النُّظُم الصحية التي تئنُّ بالفعل تحت ضغوط هائلة، وإزاء قدرتنا على الحفاظ على الخدمات المنقذة للأرواح في مواجهة الاحتياجات المتزايدة والنقص الحاد في التمويل.
وفي جمهورية إيران الإسلامية، كشفت الأحداث الأخيرة عن هشاشة البنية التحتية المدنية الحيوية والتداعيات الصحية العامة التي قد تترتب عليها. ورغم أن ترصُّد الأمراض لا يزال فعالًا، ولم يُبلَغ عن حدوث فاشيات كبرى، فقد أدت الاضطرابات في نُظُم المياه والطاقة إلى تفاقم المخاطر الصحية.
وتدعم المنظمة استمرار تقديم الخدمات الأساسية من خلال إمدادات الطوارئ، وتوفير مصادر احتياطية للطاقة، والوقاية من الفاشيات، ودعم الصحة النفسية. وجرى تدريب أكثر من 4000 عامل صحي، وحشد مليونَي دولار أمريكي من خلال صندوق الأمم المتحدة المركزي لمواجهة الطوارئ بغرض الوقاية من الأمراض والاستجابة لها.
وفي لبنان، قُتل أكثر من 4200 شخص، وجُرح أكثر من 12000 آخرين منذ تصاعد الأعمال العدائية. وأسفر أكثر من 211 هجومًا على مرافق الرعاية الصحية عن مقتل 135 عاملًا صحيًّا وإصابة 406 آخرين، بينما لا يزال النزوح وانعدام الأمن يعرقلان الحصول على الرعاية.
وتواصل المنظمة وشركاؤها دعم الخدمات الصحية الأساسية، وإمدادات الطوارئ، والترصُّد، وصحة الأمهات والأطفال، ورعاية الصحة النفسية. إذ قُدِّمت أكثر من 410 آلاف استشارة، ودُرِّب أكثر من 1000 عامل من العاملين الصحيين.
وسيتطلب التعافي ما يتجاوز نطاق المساعدة الإنسانية بكثير. إذ تتطلب المرحلة المقبلة إعطاء الأولوية لإعادة تأهيل المرافق الصحية المتضررة، وبناء القوى العاملة الصحية واستبقائها، وضمان الإمداد المستمر بالأدوية الأساسية، وتعزيز الرعاية الصحية الأولية وقدرات الترصد والتأهب، بما يحد من مزيد من التدهور، ويعزِّز جاهزية النظام الصحي للاستجابة للطوارئ المستقبلية.
وفي غزة، لا يزال حجم الاحتياجات هائلًا. فقد تعرَّض النظام الصحي للتدمير. وتواصل المستشفيات العمل في ظروف بالغة الصعوبة، وسط نقص شديد في الأدوية والوقود والعاملين الصحيين المتخصصين. وأُبلغَ عن أكثر من 214 ألف شخص مصاب بأمراض سارية وحالات متصلة بها في أيار/ مايو وحده، في حين يحتاج ما لا يقل عن 43 ألف شخص إلى إعادة تأهيل طويلة الأجل للإصابات التي غيَّرت مجرى حياتهم.
وتواصل المنظمة وشركاؤها دعم رعاية المصابين بالرضوح وإعادة التأهيل وترصُّد الأمراض والإجلاء الطبي والإمدادات الأساسية. وتقدم الفرق الطبية الطارئة آلاف الاستشارات والعمليات الجراحية الطارئة كل أسبوع، بالرغم من استمرار القيود الميدانية.
ومع ذلك، لا تزال الفجوة هائلة بين الاحتياجات والموارد المتاحة. وباتت الأزمة الصحية في غزة أزمةً صحية عامة طويلة الأمد، وستمتد آثارها لتُقاس على مدى سنوات مقبلة.
وفي الوقت نفسه، لا يزال الوضع في الضفة الغربية آخِذًا في التدهور، مع تزايد القيود المفروضة على الحصول على الرعاية الصحية، وتصاعد أعمال العنف، وتنامي الضغط على الخدمات الصحية.
وتظل أولوياتنا الثلاث بلا تغيير، وهي: وقف دائم لإطلاق النار؛ ووصول المساعدات الإنسانية بشكل آمِن ودائم وخالٍ من العوائق؛ واستعادة مسارات الإحالة الطبية، بما في ذلك إلى الضفة الغربية.
وعكفت المنظمة أيضًا على تقديم الدعم للتأهب لحالات الطوارئ في جميع بلدان مجلس التعاون لدول الخليج العربية. ففي الفترة بين نيسان/ أبريل وحزيران/ يونيو 2026، أوفدنا خبرات مخصصة للتأهب والاستجابة لحالات الطوارئ في البحرين والكويت وسلطنة عُمان وقطر والمملكة العربية السعودية، لرفع مستوى الاستعداد للتعامل مع المخاطر الناشئة عن احتمال اتساع رقعة النزاع في الإقليم. وركز الدعم المُقدَّم على إدارة الطوارئ الشاملة لجميع الأخطار، واستخبارات الصحة العامة، ونُظم الإنذار المبكر، وقابلية التشغيل البيني لمراكز عمليات الطوارئ الصحية العامة، والتأهب للإصابات الجماعية والتأهب للأخطار الكيميائية والبيولوجية والإشعاعية والنووية، واللوجستيات في حالات الطوارئ، ووسائل المكافحة الطبية، والتواصل بشأن المخاطر، واستمرارية تقديم الخدمات الصحية الأساسية. وقد أسهمت المبادرة في تقوية القدرات الوطنية، وفي دفع نهج أكثر تكاملًا وتنسيقًا بين دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية بشأن الأمن الصحي والتأهب والاستجابة.
وفي هذه الأثناء في السودان، أعلنت وزارة الصحة الاتحادية عن تفشِّي الكوليرا في غرب كردفان بعد تأكيدها مختبريًّا، حيث يهيِّئ الصراع والنزوح والأمطار الموسمية الغزيرة بيئة حاضنة لانتشار المرض. ومنذ 15 أيار/ مايو، أبلغت السلطات الصحية عن 838 حالة مشتبهًا فيها، و7 حالات مؤكدة، و117 وفاة.
وتشعر المنظمة بقلق عميق إزاء التدهور السريع للحالة الإنسانية والصحية في أنحاء إقليم كردفان، إذ يتسبب النزاع المتصاعد، وانقطاع الخدمات الصحية، وتراجع مستوى مأمونية المياه والصرف الصحي، وصعوبة وصول المساعدات الإنسانية، في تفاقم مخاطر المرض وسوء التغذية والعنف التي يواجهها المدنيون.
وعززت المنظمة وشركاؤها كذلك الاستجابة من خلال إنشاء مراكز علاجية، وتوفير إمدادات مجهزة مسبقًا، وتدريب القوى العاملة الصحية، ودعم الترصد والوقاية من العدوى والمشاركة المجتمعية وتدخلات المياه والصرف الصحي والنظافة العامة، مع التحضير لحملة تطعيم فموي ضد الكوليرا.
ولكن، ما لم تتحسن إمكانية وصول المساعدات الإنسانية، وما لم يزد التمويل، فإن الأمراض والوفيات التي يمكن الوقاية منها ستستمر في الانتشار مع استمرار النزاع.
وتمثل الإيبولا تهديدًا صحيًّا جسيمًا آخر يواجه السودان والإقليم على نطاق أوسع. وعقب الإعلان عن طارئة صحية عامة تسبب قلقًا دوليًّا بسبب مرض الإيبولا الناجم عن فيروس بونديبوغيو في أيار/ مايو، عززت المنظمة التأهُّب في جميع أنحاء إقليم شرق المتوسط، مع تركيز الدعم ذي الأولوية على السودان والصومال وجيبوتي بسبب قُربها من المناطق المتضررة.
وأنهت للتو بعثةٌ إقليميةٌ معنيةٌ بالتأهب تابعة لمنظمة الصحة العالمية عَمَلَها في السودان، وحددت الإجراءات ذات الأولوية لتعزيز القدرات المختبرية والتشخيصية، والترصُّد، والوقاية من العدوى ومكافحتها، والتدبير العلاجي للحالات، والتواصل بشأن المخاطر والمشاركة المجتمعية، وتدريب العاملين الصحيين في الخطوط الأمامية.
وفي جميع أنحاء الإقليم، تعمل المنظمة على توسيع نطاق التأهُّب من خلال تعزيز قدرات المختبرات والترصد، ونشر الإمدادات التشخيصية الأساسية والإرشادات التقنية، ودعم الخطط الوطنية للطوارئ، والتنسيق مع مراكز الاتصال المعنية باللوائح الصحية الدولية والسلطات الصحية الحدودية، والعمل مع الشركاء لتعزيز التواصل بشأن المخاطر والمشاركة المجتمعية لضمان استعداد البلدان للكشف السريع عن أي حالات محتملة للإيبولا واحتوائها والاستجابة لها.
ويظل التأهب ضروريًّا أيضًا لمواجهة تهديد صحي آخر آخِذٍ في التصاعد، وهو تغيُّر المناخ. ففي جميع أنحاء منطقة القرن الأفريقي الكبرى، يواجه الملايين تزايُد الجوع وسوء التغذية والأمراض، مع تفاقم أوجه الضعف الناجمة عن الصدمات المناخية.
وفي جيبوتي والسودان والصومال، تتحمل الفئات الأكثر ضعفًا، كالأطفال والحوامل والمرضعات والأسر النازحة والمجتمعات المحلية المتضررة، وطأة هذه الأزمات.
وتعمل المنظمة مع الحكومات والشركاء على تعزيز الترصُّد، وتقديم الخدمات الصحية والتغذوية المنقذة للأرواح، والوقاية من الفاشيات قبل انتشارها.
وحتى نتمكن من إنقاذ الأرواح الآن وتجنُّب أزمة إنسانية أكثر عمقًا في الأشهر القادمة، نحتاج إلى توسيع نطاق الاستثمار في الصحة والتغذية والتأهب للطوارئ من الآن.
كما يظل التأهب أمرًا بالغ الأهمية لمواجهة الكوارث الطبيعية. فلا يزال إقليم شرق المتوسط واحدًا من أكثر أقاليم العالم عرضة للكوارث. ففي عام 2023 وحده، شهد الإقليم خَمسًا من أهم عشر كوارث طبيعية في العالم.
وسينضم هذا الأسبوع الوزراء وكبار المسؤولين من جميع أنحاء الإقليم إلى نظرائهم في إسطنبول، لحضور المؤتمر الوزاري المعني بالنهوض بالأمن الصحي من خلال إدارة حالات الطوارئ الناجمة عن الزلازل.
وتعمل المنظمة مع البلدان في جميع أنحاء الإقليم على تعزيز التأهب للكوارث من خلال تقييمات المخاطر، والمستشفيات القادرة على الصمود، والفرق الطبية في حالات الطوارئ، ومراكز عمليات الطوارئ، ونُظُم أقوى للرعاية الطارئة.
ومن باكستان والأردن إلى مصر والسودان والجمهورية العربية السورية واليمن والعراق، تساعد هذه الاستثمارات النُّظُم الصحية على تحمُّل الصدمات ومواصلة تقديم الرعاية المنقذة للأرواح عند وقوع الكوارث.
سيداتي وسادتي، نعود الآن إلى حساباتنا.
حيث يتحمل إقليمنا ما يقرب من نصف العبء الإنساني في العالم كله. ويحتاج إلى أكثر من نصف متطلبات المنظمة من التمويل العالمي لحالات الطوارئ.
لكن لا يزال أكثر من 40% من متطلبات التمويل في الإقليم غير مُستوفاة.
وهذه ليست مجرد فجوات تمويلية،
بل هي ثغرات في الأدوية والتطعيم وترصُّد الأمراض والرعاية الطارئة.
أي إنها فجوات قد تعني الفرق بين الحياة والموت لملايين الأشخاص.
ويتعين علينا سدُّ هذه الفجوات الآن.
فقد تأخرنا بالفعل كثيرًا بالنسبة إلى أعداد كبيرة من الناس







