لم يكن «أبو ضحكة جنان» مجرد اسم ارتبط بالكوميديا المصرية، بل كان حالة فنية متكاملة استطاعت أن تعيش لعقود بعد رحيل صاحبها، بملامحه التي لا تخطئها العين، وصوته المميز، وحركاته التي تحولت إلى مدرسة في الأداء الكوميدي، فقد نجح الفنان إسماعيل ياسين، الذي تحل ذكرى ميلاده اليوم الثلاثاء، في أن يصنع لنفسه مكانة استثنائية بين نجوم الفن المصري.
لكن خلف الضحكات التي ملأت دور السينما والمسارح، كانت هناك حكاية مختلفة تمامًا، حكاية طفل واجه ظروفًا قاسية، وشاب جاء إلى القاهرة بحثًا عن حلم، وفنان وصل إلى القمة ثم اصطدم بتقلبات الشهرة.
طفل السويس الذي حمل حلمًا كبيرًا
في الخامس عشر سبتمبر عام 1912، ولد إسماعيل ياسين في مدينة السويس، حيث قضى سنواته الأولى قبل أن تدفعه الظروف الأسرية إلى مواجهة الحياة في سن مبكرة، لم يستكمل تعليمه، واضطر إلى العمل والاعتماد على نفسه، لكن قسوة البدايات لم تمنعه من التمسك بحلم ظل يرافقه منذ الصغر، وهو أن يصبح فنانًا، وكان الغناء هو بوابته الأولى التي حلم بالعبور منها إلى عالم الشهرة، وكان محمد عبد الوهاب أحد أبرز النجوم الذين تأثر بهم في تلك المرحلة.
القاهرة تفتح له باب الفن
لم يجد إسماعيل ياسين طريقًا ممهدًا عندما وصل إلى القاهرة، لكنه بدأ من المساحات المتاحة أمام المواهب الجديدة في ذلك الوقت، فقد دخل عالم المونولوج، وبدأ يقدم فقرات استعراضية كشفت تدريجيًا عن موهبة كوميدية لم يكن هو نفسه قد اكتشف كل حدودها بعد، وجاء العمل مع فرقة بديعة مصابني ثم فرقة علي الكسار ليمنحه خبرة مهمة في التعامل مع الجمهور، ويضعه على الطريق الذي سيقوده لاحقًا إلى السينما والمسرح، وبمرور الوقت، لم يعد إسماعيل ياسين مجرد مؤدي للمونولوج، وإنما أصبح صاحب شخصية فنية مستقلة لها حضورها الخاص.
السينما تصنع منه ظاهرة
مع انتقاله إلى السينما، بدأ إسماعيل ياسين في بناء رصيده الفني خطوة وراء أخرى، حتى تحول خلال سنوات قليلة إلى أحد أبرز نجوم الكوميديا، فكانت قدرته على تحويل المواقف البسيطة إلى مشاهد ساخرة، إلى جانب ملامحه وطريقة نطقه وحركته، عوامل ساعدته على الوصول إلى الجمهور بسرعة، وفي الأربعينيات والخمسينيات، أصبح اسمه من أكثر الأسماء جذبًا للجمهور، وبلغت نجوميته ذروتها مع سلسلة من الأعمال التي ارتبطت بشخصيته، وكان التعاون مع الكاتب أبو السعود الإبياري والمخرج فطين عبد الوهاب من أهم الشراكات الفنية في مسيرته، وأسفر عن عدد كبير من الأفلام الكوميدية الناجحة.
عندما أصبح اسمه عنوانًا للفيلم
ربما كانت العلامة الأبرز على حجم نجومية إسماعيل ياسين أن اسمه تحول إلى عنوان لسلسلة كاملة من الأفلام، فقد ظهر في «إسماعيل ياسين في الجيش»، و«إسماعيل ياسين في البوليس»، و«إسماعيل ياسين في البحرية»، و«إسماعيل ياسين في الطيران»، و«إسماعيل ياسين في مستشفى المجانين»، كما ترك بصمته في أفلام أخرى مثل «ابن حميدو»، و«الآنسة حنفي»، و«المليونير»، وكانت تلك الأعمال تعكس قدرته على تقديم الكوميديا من خلال شخصية قريبة من الجمهور، لا تعتمد على البطولة التقليدية، وإنما تجعل من نقاط الضعف والمواقف اليومية مصدرًا للضحك.
من الشاشة إلى خشبة المسرح
لم يكتفِ إسماعيل ياسين بنجاح السينما، وإنما امتلك مشروعًا مسرحيًا خاصًا به، وفي عام 1954، أسس فرقته المسرحية، ليقدم على مدار سنوات عشرات المسرحيات التي رسخت حضوره في عالم الكوميديا الحية، وكان المسرح بالنسبة إليه مدرسة يومية؛ فالتفاعل المباشر مع الجمهور جعله أكثر قدرة على التحكم في الإيقاع الكوميدي، وأكسبه خبرة انعكست على أدائه السينمائي.
الآنسة حنفي.. حين ابتعد عن الشخصية المعتادة
على الرغم من أن الكوميديا ظلت عنوان مسيرته، فإن إسماعيل ياسين لم يكن عاجزًا عن تقديم أدوار تخرجه من القالب المعتاد، ويأتي فيلم «الآنسة حنفي» ضمن أبرز الأعمال التي قدم خلالها شخصية مختلفة، ليؤكد أن موهبته لم تكن محصورة في الإفيهات والمواقف الساخرة، وإنما امتلك قدرة على التعامل مع شخصيات ذات طبيعة خاصة.
خلف الشهرة حياة أسرية وإنسانية
بعيدًا عن أضواء السينما، تزوج إسماعيل ياسين ثلاث مرات، وكان له ابن واحد هو ياسين إسماعيل ياسين، الذي سار في طريق الفن واتجه إلى الإخراج، وعلى الرغم من أن الجمهور عرفه باعتباره واحدًا من أكثر الفنانين قدرة على نشر البهجة، فإن حياته الشخصية لم تخلُ من الأزمات والتحديات، خصوصًا مع تغير الظروف الفنية والاقتصادية في سنواته الأخيرة.
القمة لا تدوم دائمًا
مثلما صعد إسماعيل ياسين بسرعة إلى قمة النجومية، جاءت سنوات حملت له الكثير من الصعوبات، فقد تراجعت أعماله السينمائية تدريجيًا، وواجه أزمات مالية وضرائب وديونًا، كما انتهت تجربة فرقته المسرحية عام 1966، حاول الفنان استعادة حضوره من خلال العمل في لبنان لفترة، قبل أن يعود إلى مصر، لكن الظروف الفنية تغيرت، ولم تعد مساحة الأدوار التي يحصل عليها تعكس المكانة التي كان يحتلها في سنوات مجده، وكانت تلك المرحلة واحدة من أكثر الفصول قسوة في حياته، لكنها كشفت في الوقت نفسه عن إنسان ظل متمسكًا بالفن حتى النهاية.
لماذا بقي إسماعيل ياسين؟
قد يكون من السهل أن تحقق شهرة مؤقتة، لكن الأصعب أن تتحول إلى جزء من ذاكرة أجيال لم تعاصرك، وهذا تحديدًا ما حدث مع إسماعيل ياسين، فبعد رحيله، لم تختفي شخصيته من المشهد، بل استمرت أفلامه في الوصول إلى أجيال جديدة، وبقيت مشاهده وإفيهاته حاضرة في الثقافة الشعبية المصرية، لقد صنع لنفسه أسلوبًا لم يكن نسخة من أحد، ولذلك أصبح من الصعب تقليده دون أن تظهر ملامحه الفنية فورًا.
الرحيل لا ينهي الحكاية
في 24 مايو 1972، رحل إسماعيل ياسين عن عمر 59 عامًا إثر أزمة قلبية، لتنتهي حياة أحد أهم صناع الكوميديا المصرية، فالفنان الذي بدأ حياته بعيدًا عن الأضواء، وانطلق من المونولوج، ثم أصبح نجمًا تتصدر أفلامه شباك التذاكر، ترك خلفه عشرات الأعمال وشخصية فنية لا تزال حاضرة حتى الآن.
التعليقات (0)