ليس من الضروري أن يمتلك الإنسان إجابة واضحة عن هدفه في الحياة، أو أن يكتشف منذ البداية شغفًا استثنائيًا يمنحه الشعور بالإنجاز. أحيانًا يتشكل الإحساس بالمعنى من مواقف بسيطة، وعلاقات إنسانية، وتجارب تكشف للشخص ما يجيده وما يريد أن يقدمه للآخرين.
وتناولت صحيفة «نيويورك تايمز» العلاقة بين الإحساس بغاية الحياة والرضا النفسي، في ضوء أبحاث تربط الشعور بالمعنى بمؤشرات صحية متعددة، من بينها مخاطر بعض أمراض القلب والسكتات الدماغية وجودة النوم. وتشير هذه النتائج إلى وجود ارتباطات تستحق الاهتمام، لكنها لا تعني أن امتلاك هدف محدد يمنع الإصابة بالأمراض أو يضمن طول العمر.
هل يرتبط معنى الحياة بالصحة؟
لا يقتصر الشعور بالغاية على السعي لتحقيق إنجاز مهني أو الوصول إلى مكانة اجتماعية، بل يشمل إحساس الإنسان بأن لحياته قيمة، وأن اختياراته تتوافق مع معتقداته وما يراه مهمًا.
ويُطلق على هذا الجانب مصطلح «العافية اليودايمونية»، الذي يعبّر عن الشعور بالمعنى والرضا الناتج عن توافق الأفعال مع الأهداف والقيم الشخصية.
وفي إحدى الدراسات، ارتبط ارتفاع مستوى هذه العافية بانخفاض خطر الوفاة بنسبة 30% خلال فترة متابعة بلغت ثماني سنوات ونصف. كما ربطت أبحاث أخرى الشعور بالغاية بانخفاض مخاطر بعض المشكلات الصحية، ومنها أمراض القلب والسكتات الدماغية والخرف والإعاقات، فضلًا عن تحسن النوم.
ومع ذلك، لا تكفي هذه الارتباطات لإثبات أن الشعور بالغاية هو السبب المباشر وراء هذه النتائج الصحية.
العطاء قد يكشف لك ما يستحق وقتك
قد يكتشف الإنسان ما يمنح حياته معنى عندما يوجه جزءًا من وقته وجهده نحو الآخرين، بدلًا من التركيز على الإنجازات الشخصية وحدها.
وأشارت أبحاث أجراها باحثون من جامعتي ولاية فلوريدا وستانفورد إلى اختلاف السعادة عن الشعور بالمعنى؛ إذ يرتبط المعنى بدرجة أكبر بالعطاء والاهتمام بالآخرين.
ويمكن اختبار ذلك من خلال المشاركة في أنشطة تطوعية، أو مساعدة شخص يحتاج إلى الدعم، أو المساهمة في قضية تحظى باهتمام الشخص. ولا يشترط أن تكون هذه الخطوات كبيرة أو مكلفة، فالمهم هو اكتشاف الأنشطة التي يشعر الفرد بأن لها قيمة حقيقية.
آراء المقربين قد تكشف جوانب لا تراها في نفسك
أحيانًا تكون نقاط القوة واضحة للآخرين أكثر مما هي واضحة لصاحبها، خاصة عندما تتعلق بمهارات يمارسها بصورة تلقائية أو صفات اعتادها في شخصيته.
وللتعرف إلى هذه الجوانب، يمكن سؤال المقربين عن أكثر الصفات التي يقدرونها، أو المواقف التي يظهر فيها الشخص قدراته بوضوح، أو الأمور التي يطلب الآخرون مساعدته فيها بصورة متكررة.
وقد تساعد مقارنة الإجابات على ملاحظة اهتمامات أو مهارات مشتركة، يمكن الاستفادة منها في اختيار نشاط جديد أو تطوير مجال يشعر الإنسان بأنه مناسب له.
العلاقات الجديدة تفتح أبوابًا لم تكن في الحسبان
قد يؤدي الانغلاق داخل دائرة اجتماعية محدودة إلى تكرار التجارب والأفكار نفسها، بينما يتيح التعرف إلى أشخاص جدد الاطلاع على اهتمامات وخبرات مختلفة.
ولا يتطلب ذلك التخلي عن العلاقات الحالية، بل يمكن توسيع دائرة المعارف بالتواصل مع أشخاص لديهم اهتمامات متنوعة، أو المشاركة في أنشطة اجتماعية وتعليمية وتطوعية.
وقد تكشف هذه اللقاءات عن هوايات جديدة أو فرص للمشاركة في مشروعات مفيدة، كما تساعد على اكتشاف مجالات لم تكن ضمن الخيارات المطروحة من قبل.
محادثة واحدة قد تقودك إلى تجربة مختلفة
لا يشترط أن تنتهي كل محادثة باكتشاف كبير، لكن الاستماع إلى تجارب الآخرين قد يمنح الإنسان أفكارًا جديدة بشأن ما يمكن أن يجربه أو يتعلمه.
ويمكن أن يبدأ ذلك بسؤال شخص عن النشاط الذي يستمتع به، أو المشروع الذي يعمل عليه، أو التجربة التي غيرت نظرته إلى الحياة. وقد تقود هذه الحوارات إلى تجربة هواية أو المشاركة في عمل تطوعي أو الاهتمام بمجال مهني جديد.
وتمنح التجربة الفعلية فرصة أفضل لمعرفة مدى ملاءمة هذه الخيارات، بدلًا من الاكتفاء بالتفكير فيها دون اتخاذ خطوة عملية.
لا تنتظر اكتشاف هدفك الكامل
قد لا تأتي الإجابة عن سؤال الغاية من الحياة في لحظة واحدة، بل تتضح تدريجيًا مع التجارب والاختيارات والعلاقات. ويمكن أن يبدأ الطريق بتجربة نشاط مختلف، أو تقديم المساعدة للآخرين، أو التعرف إلى جوانب القوة الشخصية.
والأهم هو الانتباه إلى ما يمنح الحياة قيمة بالنسبة إلى الفرد نفسه، بدلًا من مقارنة مساره بأهداف الآخرين؛ فالشعور بالغاية لا يتطلب أن تكون الحياة استثنائية، بل أن يجد الإنسان معنى فيما يختاره ويفعله.
التعليقات (0)