النفاق الاجتماعي في زمن القيم المعلنة:

الكاتبة الجزائرية مريم عرجون
حين تنفصل القيم عن كلفتها، تتحوّل إلى لغة، وحين تصبح اللغة بديلًا عن الفعل، يُعاد تشكيل الإنسان بوصفه كائنًا يُجيد الإعلان أكثر مما يحتمل الالتزام، في هذا الزمن،لا تنهار الأخلاق فجأة بل تُفرَّغ تدريجيًا من تبعاتها الوجودية، فتغدو المبادئ مفاهيم متداولة لا اختيارات مصيرية، ويصير الصدق فكرة آمنة بدل أن يكون مخاطرة.
لا يتشكّل النفاق هنا كخللٍ فردي عابر، بل كمنطقٍ ناعم يحكم المجال العام، حيث تُكافأ الصورة ويُعاقَب العمق، ويُستبدل الاتساق الداخلي بأداءٍ أخلاقي متقن، تُقال القيم في الخطب، وتُعاد صياغتها في المنصات الرقمية، لكنها تغيب في اللحظات التي لا شهود لها، فيتحوّل الوعي إلى واجهة، وتُختزل الأخلاق في قدرتها على الظهور.
في الأزمنة التي تُعلَّق فيها القيم على الجدران أكثر مما تُغرس في الضمائر، يتعلّم الإنسان النجاة باللغة لا بالحقيقة، يصبح الكلام مهارة، وتغدو الأخلاق طقسًا، ويُختبر الفرد لا بما يفعل حين يُرى، بل بما يتجنّبه حين لا يراقبه أحد، هناك في المسافة الدقيقة بين القول والفعل يولد النفاق الاجتماعي بوصفه استجابة جماعية لعالمٍ يطلب المظهر ويخشى الجوهر،
تحمل المجتمعات قيمها كما تُحمل الرموز في المواسم، تُرفع حين يكتمل المشهد، وتُسدل حين تداهمها الحقيقة، لم تعد القيم ممارسة يومية بقدر ما صارت خطابًا مُتقن الصياغة يُقال أكثر مما يُعاش، ويُستعرض أكثر مما يُختبَر، نحن أمام زمن لا يعاني من فقر المبادئ، بل من فائض الإعلان عنها، حتى غدت الأخلاق صدىً في الفضاء العام بلا أثر ملموس في تفاصيل الحياة.
تُزيَّن المنابر بالقيم، وتُستدعى في المناسبات الكبرى، وتُعاد تدويرها رقميًا، بينما تغيب حيث يُفترض أن تكون حاسمة في لحظات الاختيار الصامت، وفي القرارات التي لا كاميرا لها ولا جمهور، هكذا يتحوّل الخوف من كلفة الصدق إلى أسلوب عيش، ويتراكم التناقض بهدوء دون أن يُحدث صدامًا ظاهرًا.
يتقن الأفراد ارتداء الفضيلة كما يتقن الممثل دوره، تُصاغ العبارة بعناية، وتُضبط الإيماءة، ويُخفى ما لا يليق بالمشهد، تُعلن الرحمة ويُمارَس العنف حين تتوافر القوة، ويُتغنّى بالعدل ما دام بعيدًا، ثم يُساوَم عليه حين يقترب من المصالح. يُدان الخطأ إذا صدر من الآخرين، ويُبحث له عن تأويل مخفّف حين يحمل أسماءنا،
ومع تمدّد وسائل التواصل تحوّلت القيم إلى مادة عرض. لم يعد السؤال ماذا نفعل؟ بل كيف نبدو؟ صار الالتزام صورة، والتعاطف منشورًا، والأخلاق أداءً عامًا يُقاس بالتفاعل لا بالأثر في هذا المسرح المفتوح، يسهل قول كل شيء، ويصعب أن يكون الإنسان شيئًا.
الأكثر إرباكًا هو حين يُستدعى الخطاب الأخلاقي أو الديني خارج سياقه الإنساني، لا بوصفه بوصلة للسلوك بل أداة تبرير أو إدانة انتقائية، عندها تفقد القيم روحها، وتتحوّل من معايير للعدل إلى وسائل تصنيف، ومن دعوة للإصلاح إلى لغة إقصاء ناعمة تُطمئن الضمير وتُربك المعنى.
وفي البيوت حيث تتشكّل البذور الأولى للوعي، تُزرع أحيانًا فكرة أن السمعة أهم من الحقيقة وأن الصمت أكثر أمانًا من الاعتراف، وأن تجنّب الفضيحة أولى من تصحيح الخطأ، فينشأ جيل يُجيد الإخفاء أكثر مما يُجيد المواجهة، ويتكيّف مع الخطاب العام ولو على حساب انسجامه الداخلي.
هكذا يصبح النفاق الاجتماعي نسيجًا يوميًا مألوفًا، لا يُواجَه لأنه شائع، ولا يُفزع لأنه متقن، ومع الوقت لا يعود السؤال لماذا نكذب بل لماذا نخشى الصدق، ولماذا يبدو الاتساق الأخلاقي عبئًا في عالمٍ يطلب القبول قبل الحقيقة.
القيم لا تفقد معناها حين تُنتهك، بل حين تُفرَّغ من تبعاتها، فهي لا تُقاس بعلوّ صوتها في المجال العام، بل بقدرتها على الصمود في العتمة، حين لا يرانا أحد، وفي زمن القيم المعلنة، يبقى الصدق وحده يطلّ كفعلِ مقاومةٍ هادئة، يرفض أن يكون عرضًا، ويُصرّ على أن يكون معنى.




