الخوف الذي اختارنا بدلهم

الكاتبة الجزائرية مريم عرجون
يصرخ آدمُ المدفون في خيالي، يميل عليّ، وهو فقاعاتٌ نيران، يطلّ عليّ بجسده العاري، محمولًا بهمي، ليعصر أفكاري، كأن الإنسان الأوّل لم يمت، بل أُجِّل، وبقي شاهدًا فينا، ينهض كلما ثقل الليل، وكلما اقتربنا من الصمت، وفي زحام الليل جاء الريح مزمجرًا، عصف بجسد آدم الضاري، ومثله مثل الناس في كل المدن، يخشى الموت على طريق، ويخشى أكثر أن يبقى بلا أكفان، عالقًا في سراديب الزمن، لا لأن النهاية مرعبة، بل لأن الخوف الحقيقي أن تأتي وهو بلا معنى، بلا أثر، بلا صلاة أخيرة.
فيا أسفاها عن موتانا، ربما مايسعنا اليوم إلا أن سنتدبّر في منحنيات الريح المزمجر لنقرأ عليكم وعلينا فاتحة القرآن.
لكن الصرخة لا تقف هنا.
لأن آدم لم يُدفن في الخيال عبثًا، ولأن الريح لم تعصف صدفة، ما نخشاه اليوم ليس الموت، بل انكشافنا أمامه، أن يُقال عنا إننا رأينا ولم نفعل، عرفنا وصمتنا، ومرّ العذاب من تحت نوافذنا فاخترنا الدفء على الشهادة ومن هنا لا يعود السؤال سؤال ريحٍ ولا عاصفة، بل سؤال الإنسان حين يُعرّى من أعذاره، ومن هذه النقطة لا يُسأل الريح عمّا فعل، بل نُسأل نحن عمّا لم نفعل، من هذا الموضع بالذات يسقط العذر، ويصير الصمت شاهدًا لا ملاذًا، فليس الخطر فيما يقتحمنا فجأة، بل فيما نعتاده حتى نفقد الإحساس به، فالأشياء لا تفضحنا حين تعصف، بل حين تمرّ خفيفة، عابرة، فنرتجف منها أكثر مما نرتجف من ذنوبنا، و ثمّة خلل عميق يسري في الوعي، حيث صار الدفء معيار النجاة، والصمت شكلًا من أشكال الحكمة، والتجاهل قناعًا أخلاقيًا مريحًا، نعيش زمنًا لا يخاف فيه الناس من غياب العدل، بقدر ما يخافون من اهتزاز راحتهم، ولا يرتعدون من الحساب، بقدر ما يرتعدون من فقدان الأمان، ومن هنا تبدأ الحكاية لا من العاصفة، بل من النفحة، هناك شيء يمرّ بلا اسم، ثقيل، صامت، لا يرحم، ينسلّ بين الديار، ينهش الخيام بصمتها، يجعل الأرض ترتعش خشية أن تشهد على غفلتنا، على صمتنا الطويل، على نسياننا ما يصارع الليل والبرد بلا مأوى ولا دفء، كل نفحة منه تصرخ في وجداننا، تعيد ترتيب الأيام، لا كعزاء بل كصفعة، كجرد حساب مؤجل، كأن الزمن نفسه قرّر أن يفضحنا قبل أن نعرف نحن ما خسرنا، فيكفي نسيم واحد، نفحة خفية، ليكشف عجزنا، يجعلنا نرتجف من الحرية التي أخذناها لأنفسنا، بينما هناك من يصنع حياته في البلل، في العراء، في ليلٍ لا يرحم، هناك من يحوّل الألم إلى حياة، والصبر إلى صمود، والبرد إلى حكمة صامتة لا تتسوّل الشفقة ولا تنتظر التصفيق، أما نحن فنكدّس الدفء، نغلق النوافذ، ندفن الضمير خلف الجدران، ونرتدي أقنعة الطمأنينة كأنها براءة، لاننا حقا نسينا أن الأخوّة ليست شعارًا يُرفع، بل امتحانًا يُخاض، نسينا أن القيم لا تُختبر في المواسم الآمنة، بل في مواجهة العواصف، تلك التي لا نراها، ولا نسمع صراخها، لأنها لا تمرّ قرب نوافذنا، نحن لم نخن حين مرت العاصفة، بل حين تجاهلنا من عاشوها وحدهم، و الهواء صار مرآة فاضحة، يحمل صدى ما أهملناه، ما دفنّاه تحت أعذار الراحة، ما تجاهلناه عن حياةٍ تصارع بلا توقف.
الصمت الطويل لم يعد حيادًا، بل صار عقوبة أعمق من أي برد أو فيضان، أو ريح عابرة، لأن الضمير لا ينام، هو يعرف متى ننسى، ومتى نتهرب، ويأتي ليحاسبنا دون استئذان، ودون رحمة.
كتابتي هنا ليست ترفًا، ولا زخرفة حزن، هي محاولة لرؤية ما لا يُرى، لسماع ما لا يُسمع، لاستدعاء الضمير قبل أن يتحجّر، قبل أن يُدفن تحت دفء زائف، وتحت صمت مريب، وتحت حياةٍ مصقولة من الخارج، خاوية من الداخل.
أكتب لأن نفحة ريح عابرة هزّتنا، لأننا خفنا مما لم يكن يستحق الخوف، وتجاهلنا من عاشوا العاصفة كاملة.
نحن خفنا من نسيم، وتركنا غيرنا في الإعصار، ارتجفنا من مطرٍ عابر، وتجاهلنا من غرقوا في البلل الطويل، نسياننا صار أثقل من كل دفء الترف الذي منحناه لأنفسنا، وصمتنا صار أعلى من كل صراخ لم نرد سماعه، وفي اللحظة الأخيرة، لا يسقط القناع بفعل الكوارث الكبرى، بل عند أول غيمة تقترب، وأول مطر يهدد راحتنا، وأول ريح تطرق نوافذنا،
نضطرب، نغلق الأبواب، نتحسّس الجدران، لا خوفًا من الله، بل خوفًا من الموت، لا خشية من الحساب، بل من فقدان السيطرة، وهنا تنكشف الحقيقة العارية ما أخافنا لم يكن العاصفة، بل انقطاع الأمان، لم يكن الذنب، بل اهتزاز الطمأنينة.
لو كان في القلوب خوفٌ صادق، لما كان الصمت ممكنًا، ولما تُرك البرد ينهش غيرنا، ولا العراء يبتلع صبرهم وحدهم،
لكننا ارتجفنا حين اقتربت الغيمة منا، لا حين سقط المطر على سواها، فبان ضعفنا، وسقط الادعاء، وتعرّت الأخوّة من معناها، وهكذا، لا تحتاج الحقيقة إلى إعصار كي تفضحنا، تكفي نفحة ريح عابرة مطرٌ مارّ، لتخبرنا أن ما سمّيناه طمأنينة لم يكن إيمانًا، وأن ما خفناه لم يكن الله، بل الموت،
وأن هذا الخوف، حين يُعرّي الضمير، هو أصدق شهادة على ضعفنا.







