من فقه الحريم إلى فقه الإنسان رسالة ماجستير حول حقوق المرأة في فكر الخشت مقارنة بروسو

في خطوة بحثية تسعى إلى إعادة قراءة تاريخ الأفكار، ووضع الفلسفة الغربية في مواجهة نقدية مع الفلسفة العربية المعاصرة، ناقشت كلية الآداب بجامعة قنا (جنوب الوادي سابقًا) رسالة الماجستير المقدمة من الباحثة دينا محمد عبد الحميد، بعنوان: «الصورة الفلسفية للمرأة بين روسو والخشت: دراسة تحليلية مقارنة»، وهي دراسة تتجاوز الطرح التاريخي إلى مساءلة البنى العقلية التي صاغت تصورات الفلاسفة عن المرأة ودورها في المجتمع.
وتشكلت لجنة المناقشة والحكم من نخبة من الأساتذة المتخصصين، برئاسة الأستاذ الدكتور حسن محمد حسن حماد عميد كلية الآداب الأسبق بجامعة الزقازيق ورئيس لجنة ترقيات الأساتذة بالمجلس الأعلى للجامعات ورئيس قسم الفلسفة بجامعة الزقازيق ، وبإشراف الأستاذ الدكتور صابر عبده أبازيد أستاذ ومؤسس قسم الفلسفة بآداب جامعة قنا وعميد كلية الآداب الأسبق بجامعة أسوان، وشارك في المناقشة الأستاذ الدكتور سعيد علي عبيد أستاذ الفلسفة الحديثة والمعاصرة بأداب جامعة قنا، كما شارك في الإشراف الدكتور محمد محمد حسين الشامي مدرس الفلسفة الحديثة والمعاصرة بآداب جامعة قنا.
وقدمت الرسالة قراءة تحليلية مقارنة للمسافة الفكرية الفاصلة بين رؤية الفيلسوف الفرنسي جان جاك روسو، ورؤية المفكر العربي الدكتور محمد عثمان الخشت، كاشفة عن اختلافات جوهرية في المنطلقات الفلسفية التي شكلت وعي كل منهما بطبيعة المرأة ومكانتها. ولم تكتفِ الدراسة بتتبع الأفكار في سياقها التاريخي، بل تعمقت في تحليل البنية الذهنية والمرجعيات الفكرية التي حكمت مواقف الفيلسوفين.
واستهلت الباحثة فصول دراستها بتتبع الجذور الفلسفية لفكرة التربية لدى الطرفين، موضحة أن روسو انطلق من مبدأ «العودة إلى الطبيعة» بوصفه وسيلة لحماية الطفل من فساد المجتمع، وهو المنطلق ذاته الذي استخدمه لاحقًا لتبرير الفروق بين الجنسين. في المقابل، أسس الدكتور محمد عثمان الخشت مشروعه على مبدأ «تفكيك العقل المنغلق» ونقد النقل والتقليد، داعيًا إلى تربية تصنع مواطنًا ذا عقل نقدي، دون تمييز في القدرات العقلية أو الذهنية بين الرجل والمرأة. واعتبرت الباحثة أن رؤية الخشت للمرأة أقرب إلى مفهوم المساواة الحديثة من رؤية روسو، التي بقيت مرتبطة بتصورات عصره عن الأدوار الجندرية
وفي الفصل الثاني، تناولت الرسالة موقف روسو من قضية المرأة من خلال تحليل نصوصه التأسيسية، وعلى رأسها «العقد الاجتماعي» و«إميل أو في التربية». وأظهرت الدراسة أن مفهوم «الطبيعة» يشكل محورًا مركزيًا في فلسفة روسو الأخلاقية والسياسية؛ فبينما استخدم «العودة إلى الطبيعة» لتحرير الإنسان – الرجل – من الاستبداد الاجتماعي والسياسي، ميز في كتاب «إميل» بين طبيعة ذكورية وأخرى أنثوية، مؤسسًا على هذا التمييز تصورًا مختلفًا للتربية والأدوار الاجتماعية.
وبينت الدراسة أن روسو يرى المرأة، بحكم تكوينها الطبيعي، مهيأة للمجال العاطفي والأسري، في حين يُسند للرجل المجال العام والعمل السياسي والتجريد العقلي. وانعكس هذا التصور في النموذج التربوي الذي صممه للمرأة، ممثلًا في شخصية «صوفي»، حيث ركز تعليمها على إعدادها للزواج والأمومة، وربط معرفتها بوظيفتها الاجتماعية، لا باستقلالها الإنساني الكامل. وتخلص الرسالة إلى أن هذا التصور أفضى إلى استبعاد المرأة من مفهوم المواطنة السياسية لدى روسو، وحصر وجودها في المجال الخاص، في إطار بنية فلسفية تقوم على اختلاف الأدوار لا على المساواة القانونية أو السياسية.
وانتقلت الدراسة في فصلها الثالث إلى تحليل المشروع النقدي للدكتور محمد عثمان الخشت، ووصفته بـ «الجراحة الفكرية» التي تستهدف استئصال الأساطير المتراكمة حول المرأة. وأوضحت الباحثة أن الخشت عمل على تنقية التراث الإسلامي من الموروثات الثقافية الدخيلة، مميزًا بوضوح بين النص المقدس والتفسير البشري.
ورصدت الدراسة تفكيك الخشت لثلاث أساطير كبرى أسهمت في تشكيل وعي سلبي تجاه المرأة؛ أولها أسطورة الخلق من «الضلع الأعوج»، التي رفضها الخشت بوصفها مرويات تتناقض مع النص القرآني القائم على وحدة النفس الإنسانية: {خلقكم من نفس واحدة}. كما انتقد أسطورة الغواية، مبرئًا المرأة من مسؤولية إخراج آدم من الجنة، ومؤكدًا أن النص القرآني يحمل المسؤولية للطرفين معًا. أما أسطورة «كيد النساء»، فأوضح الخشت أن عبارة «كيدكن عظيم» وردت في سياق قصصي بشري على لسان عزيز مصر، وليست حكمًا إلهيًا مطلقًا، نافيًا أن يكون المكر صفة بيولوجية أنثوية، بل سلوكًا إنسانيًا مشتركًا.
وفي الفصل الختامي، تناولت الرسالة مفهوم المواطنة والحقوق، منتقلة من نموذج «الرعية» إلى نموذج «الشراكة»، حيث عقدت الباحثة مقارنة بين التصورين في ما يتعلق بالحقوق السياسية والمدنية. وكشفت الدراسة أن الخشت قدّم تأصيلاً حديثًا لمفهوم المواطنة في الدولة الوطنية، باعتبار المرأة شريكًا كامل الحقوق، لها حق الولاية العامة، وحرية اختيار الزوج، وذمة مالية مستقلة.
وسلطت الدراسة الضوء على ملاحظة جوهرية أثارها الخشت، تتمثل في سبق الإسلام للغرب في منح المرأة الاستقلال المالي الكامل، وهو الحق الذي ناضلت المرأة الأوروبية قرونًا لانتزاعه في بيئة فكرية قريبة من عصر روسو وما بعده، في مقابل رؤية روسو التي حصرت المرأة في المجال الخاص وأقصتها عن المجال العام.
وخلصت الرسالة في مجمل نتائجها إلى أن مشروع الخشت يتسم باتساق منطقي وإنساني أكبر مقارنة برؤية روسو؛ إذ نجح في التوفيق بين النص الديني والعقل الحديث لإنصاف المرأة، بينما وقع روسو في تناقض واضح بين مبادئه السياسية الثورية وآرائه الاجتماعية التقليدية.
وانتهت الدراسة إلى أن «الحداثة» ليست دائمًا مرادفًا للإنصاف، كما أن «التراث» ليس بالضرورة مرادفًا للظلم، مؤكدة أن النموذج الذي يقدمه الخشت أكثر تقدمًا وإنسانية، لأنه ينظر إلى المرأة بوصفها شريكًا حضاريًا وكائنًا أخلاقيًا كامل المسؤولية، ويدعو إلى الانتقال من «فقه الجسد» إلى «فقه الإنسان».
وفي ختام المناقشة، أثنت لجنة الحكم على جرأة الباحثة في اختيار موضوع المقارنة، ودقة تحليلها للنصوص الأصلية للفيلسوفين، مؤكدة أهمية تبني هذا الخطاب التجديدي الذي ينقل قضية المرأة من منطق «الحماية والوصاية» إلى أفق «المشاركة والفاعلية».







