معرض الكتاب يناقش مستقبل الأدب في عصر الذكاء الاصطناعي

استضافت قاعة المؤتمرات ضمن فعاليات معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته السابعة والخمسين الجلسة الثانية من المؤتمر بعنوان «الذكاء الاصطناعي والإبداع الأدبي» وأدارها الكاتب الدكتور عاطف عبيد، استشاري النظم والمعلومات.
وشارك في الجلسة كل من المهندس زياد عبد التواب، خبير التحول الرقمي، والدكتور زين عبد الهادي، أستاذ علوم المعلومات وتاريخ المعرفة بجامعة العاصمة، والدكتور محمد خليل موسى، أكاديمي واستشاري ومدرس للغة الإنجليزية، والدكتور محمد سليم شوشة، أستاذ الأدب العربي بكلية دار العلوم بجامعة الفيوم.
وفي مستهل الجلسة، قال الدكتور عاطف عبيد إن موضوع الذكاء الاصطناعي والإبداع الأدبي يُعد من أخطر وأهم القضايا المطروحة حاليًا، مشيرًا – على سبيل المزاح – إلى أن دور النشر قد تطلب يومًا ما «الرقم القومي لـChatGPT» إلى جانب بيانات المؤلف.
وأوضح أن المعرفة الإنسانية شهدت عبر تاريخها تفرعات وتقاطعات بين العلوم، وهو ما نراه اليوم في التقاء الإبداع الأدبي بالذكاء الاصطناعي، مؤكدًا أن هذه المرحلة تحمل فرصًا كبيرة لكنها تنطوي في الوقت ذاته على تحديات عميقة.
ومن جانبه، تناول المهندس زياد عبد التواب في كلمته موضوع «الذكاء الاصطناعي والأدب.. حدود الإفادة ومهدداتها»، موضحًا أن التكنولوجيا بطبيعتها جاءت لمساعدة الإنسان وتوسيع قدراته المحدودة، مثلما فعلت وسائل النقل والاتصال، إلا أن الذكاء الاصطناعي التوليدي يمثل تحولًا نوعيًا غير مسبوق.
وأشار إلى أن الحواسب التقليدية كانت تنفذ أوامر محددة، بينما يسعى الذكاء الاصطناعي لمحاكاة العقل البشري، وهو ما جعله يدخل منطقة جديدة ومقلقة، وأضاف أن تطور الذكاء الاصطناعي مر بمراحل تاريخية بدأت بمحاولات بدائية في خمسينيات القرن الماضي، ثم برامج محاكاة العقل في الستينيات، وصولًا إلى انتشار الحواسب والإنترنت، ثم شبكات التواصل الاجتماعي وإنترنت الأشياء، مؤكدًا أن وفرة البيانات وانخفاض تكلفة الحواسب مهّدا الطريق للطفرة التي نشهد نتائجها منذ عام 2020.
وأوضح أن الذكاء الاصطناعي مر بثلاث مراحل رئيسية: تعلم الآلة، ثم التعلم العميق، وصولًا إلى الذكاء الاصطناعي التوليدي القادر على إنتاج النصوص وتحليل كميات هائلة من البيانات في وقت قياسي، وهي قدرات تفوق الإمكانات البشرية من حيث السرعة والحجم.
بدوره، تحدث الدكتور زين عبد الهادي عن «الذكاء الاصطناعي: بديل أم مساعد؟» من خلال دراسة تطبيقية ركزت على الرواية، مشيرًا إلى إشكالية «موت المؤلف» وعودة التساؤل حول مفهوم الوظيفة المؤلفية في عصر الخوارزميات.
وأوضح أن المؤلف، وفق النظريات الحديثة، يمتلك نيات قبل وأثناء وبعد كتابة النص، وهو ما يطرح سؤالًا جوهريًا: من يكتب النص في ظل الذكاء الاصطناعي؟ هل هو كاتب خوارزمي أم أداة متطورة لا تلغي دور الإنسان؟
وأضاف أنه خاض تجربة استكشافية استمرت ستة أشهر لمحاولة كتابة رواية بالاعتماد على أحد برامج الذكاء الاصطناعي، موضحًا أن النتائج كشفت عن محدودية قدرة الآلة على الإبداع الجمالي العميق رغم سرعتها العالية في الإنتاج.
وأشار إلى أن نسبة الرضا عن النصوص المنتجة لم تتجاوز 25%، فضلًا عن وجود أخطاء لغوية ونحوية، مؤكدًا أن إنتاج الآلة لن يرقى إلى الإبداع الإنساني الخالد، لأن نقل الوعي البشري إلى الآلة لا يزال أمرًا مستبعدًا في المستقبل القريب.
ومن جهته، تناول الدكتور محمد خليل موسى علاقة الذكاء الاصطناعي بقيمة الأدب لدى الأجيال الجديدة (Gen Z)، موضحًا أن الطلاب أصبحوا يميلون إلى التطبيقات التفاعلية أكثر من النصوص الأدبية التقليدية.
وأشار إلى أن الذكاء الاصطناعي لن يحل محل المعلم، لكنه أصبح أداة ضرورية لمواكبة طبيعة الجيل الجديد الذي يعاني من ضعف التركيز ويفضل التعلم التفاعلي، وأضاف أن استخدام الذكاء الاصطناعي ووسائل التواصل الاجتماعي في التعليم لم يعد رفاهية بل ضرورة، مع التحذير من مخاطر السرقة العلمية.
وأكد أهمية وضع ضوابط واضحة لاستخدام الذكاء الاصطناعي في العملية التعليمية، خاصة في المستويات التحليلية، مشددًا على ضرورة تعزيز الوعي بالتراث والثقافة العربية في ظل ابتعاد كثير من الطلاب عن الأدب والإنسانيات بحثًا عن فرص العمل.
وفي ختام الجلسة، تحدث الدكتور محمد سليم شوشة عن «الذكاء الاصطناعي التوليدي ومستقبل الإبداع الأدبي بين الإنسان وعقل الآلة في اللغة العربية»، مؤكدًا أن فهم تأثير الذكاء الاصطناعي على اللغة والإبداع لا يمكن أن يتحقق دون فهم آلياته الداخلية.
وأوضح أن الشبكات العصبية الاصطناعية تحاكي الخلايا العصبية في العقل البشري، وكلما زادت طبقاتها تطورت قدراتها الإدراكية، وأشار إلى أن الإشكالية الكبرى في الثقافة العربية تكمن في التحول إلى مجرد مستخدم لهذه النماذج بدلًا من أن تكون طرفًا فاعلًا ومنتجًا لها.
وأكد أن العلوم الإدراكية واللغويات تمثل حجر الأساس في بناء الذكاء الاصطناعي، وأن الدراسات اللغوية والإنسانية ليست هامشية بل تشكل جوهر عمليات إنتاج المعنى والفهم داخل هذه النظم الذكية.







