من الرواية إلى التجريب القصير.. معرض الكتاب يناقش «جماليات السرد القصصي عند نجيب محفوظ»

ضمن فعاليات الاحتفاء بشخصية معرض القاهرة الدولي للكتاب 2026، استضافت القاعة الرئيسية بلازا 1 ندوة بعنوان «جماليات القصة القصيرة عند نجيب محفوظ»، بمشاركة نخبة من الكُتّاب والنقاد، وهم الكاتب والروائي إبراهيم أحمد أردش، والكاتب والناشر أحمد القرملاوي، والناقد سيد الوكيل، وأدار الندوة الدكتور عبد الكريم الحجراوي، في محاولة لإعادة قراءة مشروع نجيب محفوظ القصصي بوصفه أحد أعمدة الإبداع السردي العربي.
في مستهل الندوة، قدّم الدكتور عبد الكريم الحجراوي مدخلًا نقديًا استعرض فيه المسار التاريخي للقصة القصيرة في تجربة نجيب محفوظ، مؤكدًا أن هذا الفن لم يكن يومًا هامشًا في مشروعه الإبداعي، بل كان مسارًا موازيًا للرواية، بل وأحيانًا أكثر جرأة وتحررًا.
وأشار إلى أن محفوظ كتب ما يزيد على سبعين قصة قصيرة، جُمعت في نحو عشرين مجموعة قصصية، مقابل ثلاثين رواية، وهو رقم كاشف عن انحيازه العميق لهذا الشكل الفني.
وتوقف الحجراوي عند البدايات المبكرة لمحفوظ مع القصة القصيرة في أربعينيات القرن الماضي، ثم عودته القوية إليها في الستينيات عبر النشر في صحيفة «الأهرام»، وصولًا إلى مرحلته الأخيرة التي شهدت تكثيفًا لافتًا في إنتاج القصة القصيرة، لا سيما في مجموعات مثل «أصداء السيرة الذاتية»، و«أحلام فترة النقاهة»، و«رأيت فيما يرى النائم»، معتبرًا أن هذه المرحلة تمثل ذروة التجريب والاختزال السردي عند محفوظ.
من جانبه، قال الكاتب والناشر أحمد القرملاوي إن نجيب محفوظ يُعد من أعظم كُتّاب القصة القصيرة في الأدب العربي، وربما العالمي، مشيرًا إلى أن مشروعه القصصي لا يقل أهمية عن مشروعه الروائي، بل يتفوق عليه أحيانًا من حيث الجرأة الفنية وتنوع التقنيات.
وأوضح أن محفوظ كتب القصة القصيرة على مدار نحو ستين عامًا، مستخدمًا خلالها كل أشكال البناء السردي، من الواقعية التقليدية إلى التجريب والمسرحة والكتابة القائمة على الحوار والمفارقة.
وأضاف القرملاوي أن محفوظ بدأ مشواره الأدبي بالقصة القصيرة وختمه بها، وهو ما يمنح هذا الفن مكانة مركزية في تجربته، لافتًا إلى أن القصة القصيرة أتاحت له حرية أكبر لطرح موضوعات فكرية وفلسفية واجتماعية لم يكن من السهل تناولها في الرواية، فضلًا عن قدرتها على التقاط التحولات الدقيقة في المجتمع المصري.
أما الباحث إبراهيم أحمد أردش، فقد تناول جماليات القصة القصيرة جدًا عند نجيب محفوظ، معتبرًا أنه من أوائل من أسسوا لهذا الشكل السردي في الأدب العربي، حتى وإن لم يُسمِّه صراحة.
وأشار إلى أن محفوظ قدّم نماذج رائدة في القصة القصيرة جدًا، خاصة في مجموعات مثل «أصداء السيرة الذاتية» و«أحلام فترة النقاهة»، حيث اعتمد على التكثيف الشديد، والمفارقة، وتحولات الزمن والمكان، وتعدد وجهات النظر.
وأوضح أردش أن محفوظ استخدم تقنيات متقدمة في هذا النوع، مثل تكرار بعض الشخصيات الرمزية كـ«الصديق الحكيم»، واللعب على ثنائية الذاكرة والنسيان، والحلم واليقظة، معتبرًا أن عالم الأحلام عند محفوظ تحوّل إلى نوع أدبي مستقل، له منطقه الجمالي الخاص، القائم على الشك والتأويل والانفتاح الدلالي.
وفي مداخلته، أكد الناقد سيد الوكيل أن نجيب محفوظ كاتب عصيّ على التصنيف، إذ تتقاطع في أعماله الأنواع الأدبية، وتتماهى الحدود بين القصة والرواية والمتوالية السردية.
وأشار إلى أن محفوظ قدّم نماذج سردية يمكن قراءتها بوصفها روايات قصيرة، أو متواليات قصصية، أو مجموعات مستقلة، وهو ما يمنح القارئ حرية التأويل والمشاركة في بناء المعنى.
وتوقف الوكيل عند اهتمام محفوظ المبكر بالفكر والفلسفة، مشيرًا إلى أنه كتب عشرات المقالات الفلسفية قبل انخراطه الكامل في الرواية، وهو ما انعكس لاحقًا في قصصه القصيرة التي امتلأت بالأسئلة الوجودية، والبحث عن المعنى، والتحولات الأخلاقية والاجتماعية، مؤكدًا أن محفوظ كان يكتب دائمًا وهو واعٍ بحق القارئ في الفهم والتأويل.
واختُتمت الندوة بتأكيد المشاركين على أن القصة القصيرة عند نجيب محفوظ ليست مجرد محطة عابرة في مسيرته، بل هي مشروع جمالي وفكري متكامل، كشف من خلاله عن قدرة استثنائية على التقاط التفاصيل الإنسانية العميقة، وتحويل اليومي والعابر إلى نصوص ذات طاقة رمزية وإنسانية متجددة، ما يجعل إعادة قراءته ضرورة مستمرة للأجيال الجديدة.







