فن وثقافةمنوعات

من “ما وراء الطبيعة» إلى «مملكة الحيوان”.. ترجمة عربية تعيد اكتشاف أرسطو في ندوة بمعرض الكتاب

في إطار محور “تجارب ثقافية” ضمن فعاليات الدورة السابعة والخمسين لمعرض القاهرة الدولي للكتاب، شهدت إحدى الندوات الفكرية نقاشًا معمقًا حول مشروع ترجمة أعمال الفيلسوف اليوناني أرسطو إلى العربية، تحت عنوان: “أرسطو: ما وراء الطبيعة إلى مملكة الحيوان.. ترجمة متخصصة إلى العربية”، بمشاركة الدكتور محيي الدين مطاوع، مترجم المشروع، وعميد كلية الألسن بجامعة بني سويف سابقا، وأدار الندوة الدكتور مصطفى النشار، رئيس الجمعية الفلسفية المصرية، وأستاذ الفلسفة بكلية الآداب جامعة القاهرة.

الندوة لم تكن مجرد استعراض لكتاب مترجم، بل جاءت بوصفها قراءة فكرية في تجربة ترجمة طويلة المدى، أعادت طرح سؤال العلاقة بين الفلسفة والعلوم، وحدود الترجمة، ودور اللغة العربية في استيعاب أعقد النصوص الفلسفية والعلمية في التراث الإنساني.

من الترجمة إلى مشروع فكري متكامل

وخلال حديثه، استعرض الدكتور محيي الدين مطاوع مسيرته مع الترجمة، مؤكدًا أن مشروعه مع أرسطو لم يكن وليد قرار مفاجئ، بل جاء نتيجة تراكم طويل من العمل في النصوص اليونانية القديمة، وترجمة كتب فلسفية وأدبية مهدت للانتقال إلى أعمال أرسطو الأكثر تعقيدًا، وعلى رأسها “الميتافيزيقا”.

وأوضح أن التحدي الأكبر لم يكن في نقل الكلمات، بل في فهم المصطلح الفلسفي داخل سياقه اللغوي والفكري، وهو ما دفعه سابقًا إلى إعداد قاموسين يوناني ولاتيني، يقدمان الكلمة في جميع اشتقاقاتها ودلالاتها، باعتبارهما أداة ضرورية لأي دارس للفلسفة أو العلوم ذات الجذور اليونانية.

وأشار مطاوع إلى أن ترجمة أرسطو لا يمكن التعامل معها ككتب منفصلة، بل كمشروع واحد مترابط، لأن أفكار الفيلسوف اليوناني تمتد عرضيًا عبر مؤلفاته المختلفة، من الطبيعة، إلى السياسة، إلى الأخلاق، وصولًا إلى “مملكة الحيوان”.

أرسطو… فيلسوف أم عالم؟

وتوقفت الندوة عند سؤال جوهري: هل كان أرسطو فيلسوفًا فقط، أم عالمًا سبق عصره؟
وفي هذا السياق، أوضح مطاوع أن أرسطو قدّم نموذجًا فريدًا للعالم الموسوعي، حيث تعامل مع الإنسان والطبيعة والمجتمع باعتبارها حلقات متصلة، مؤكدًا أن دراساته في الحيوان والنبات والتشريح لا تقل أهمية عن تنظيراته الفلسفية، مضيفا أن كتاب “مملكة الحيوان” لا ينفصل عن رؤية أرسطو للكون، حيث استخدم مفهوم “الحيوان” بمعناه الواسع، باعتباره كل كائن حي تدب فيه الحياة، وهو تصور يقترب بشكل لافت من تصنيفات العلم الحديث.

ترجمة تُقرأ بالعربية لا عن اليونانية

من جانبه، أكد الدكتور مصطفى النشار أن القيمة الحقيقية لهذا المشروع تكمن في نجاحه في نقل أرسطو إلى العربية بوصفه مفكرًا حيًا، لا نصًا غريبًا أو مترجمًا بلغة جافة، مشيرًا إلى أن بعض الترجمات القديمة، رغم أهميتها التاريخية، لم تكن دقيقة في نقل النص اليوناني الأصلي.

وأوضح النشار أن ترجمة مطاوع تميزت بالأمانة العلمية والدقة في المصطلح، إلى جانب سلاسة الأسلوب، وهو ما جعل النص الأرسطي أقرب إلى القارئ العربي، دون إخلال بعمقه الفلسفي.

الفلسفة والعلوم… علاقة لا تنفصم

وشدد المتحدثان على أن تجربة أرسطو تؤكد أن الفلسفة ليست نقيضًا للعلم، بل أساسًا له، لافتين إلى أن معظم المصطلحات العلمية والطبية المستخدمة حتى اليوم تعود جذورها إلى اليونانية القديمة، وهو ما يبرز أهمية تدريس الفلسفة بوصفها علمًا يبحث في أصول الأشياء وجواهرها.

كما أشار مطاوع إلى أن العمل جارٍ على استكمال ترجمة “مملكة الحيوان”، مع إخضاعه لتدقيق علمي تشارك فيه أقسام متخصصة من كليات العلوم، في تجربة تجمع بين الترجمة والفحص العلمي الدقيق، بما يحول الكتاب إلى موسوعة معرفية متكاملة.

ندوة تفتح أفقًا جديدًا للترجمة العربية

واختُتمت الندوة بالتأكيد على أن مشروع ترجمة أرسطو إلى العربية يمثل خطوة مهمة في استعادة الدور الحضاري للغة العربية في استيعاب الفكر الإنساني، ويعكس نموذجًا للتكامل بين الفلسفة والعلوم، وبين الجهد الفردي والعمل الأكاديمي الجماعي، في إطار معرض الكتاب بوصفه منصة للحوار الثقافي العابر للزمن.

وجاءت الندوة ضمن فعاليات تنظمها المؤسسة اليونانية للكتاب والثقافة، فرع الإسكندرية، في إطار اهتمامها بتعزيز الحوار الثقافي والفلسفي بين الحضارتين اليونانية والعربية، وقدم الندوة الأستاذ ستافرولا سبانوذيس، رئيس المؤسسة، الذي أدار النقاش مؤكّدًا أهمية إعادة قراءة التراث الفلسفي الكلاسيكي بوصفه رافدًا أساسيًا للفكر الإنساني المعاصر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى