مقالات

برقيات.. جيهان عبد الرحمن تكتب.. الناس في ميت عاصم

على غرار رواية أولاد عوف للأديب الكبير أحمد الشيخ الصادرة عام 1979، والتي تحولت إلى دراما عام 2003 من إخراج نادر جلال وبطولة صلاح السعدني ودلال عبد العزيز تحت مسمى الناس في كفر عسكر، حدث ما لا يمكن للعقل أن يتصوره في ميت عاصم، مركز بنها بمحافظة القليوبية.
دراما أحمد الشيخ تُعد من أهم الأعمال التي وثّقت الحياة في الريف المصري في بدايات القرن العشرين، والصراع على الأصل والأرض بين عائلتي عوف التي تمثل الخير والجذور، وعائلة شلبي التي تمثل الشر في أوضح صوره. كان الصراع هناك رمزًا: الأرض شرف، والتفريط فيها خيانة تستوجب العقاب الاجتماعي القاسي.
في أحد مشاهد المسلسل، أُجبر فلاح من عائلة عوف على بيع أرضه لأحد أشرار عائلة شلبي، رأس الأفعى في القرية. فجاء العقاب مهينًا: يُركب الحمار بالمقلوب، ويُطاف به في حفلة تجريس وتقريع وضرب بالفَلَكة، وسط غناء ساخر: «عوّاد باع أرضه على طوله وعرضه». كانت الفضيحة علنية، والعقوبة جماعية، لكن النهاية حملت تدخل الأمن وإقالة العمدة لتخاذله عن إيقاف المهزلة، رغم كونها من العادات المتجذرة.
وكأن الزمن لم يتغير. في ميت عاصم، لم يكن الأمر متعلقًا بأرض، بل بقلبين. قصة حب ــ قد تكون متهورة أو بسيطة أو ساذجة ــ تحولت إلى مأساة هزت ربوع المحروسة. أُجبر الشاب على ارتداء زي راقصة، وطيف به في شوارع القرية ضربًا وإهانة، في مشهد يعيد إلى الأذهان حفلات التجريس القديمة، لكن بأدوات أكثر قسوة: سلاح أبيض، وهواتف محمولة، وعدسات لا ترح

وقف العمدة مكتوف اليدين، كما وقف عمدة كفر عسكر من قبل، عاجزًا أو متواطئًا أو خائفًا من سطوة الجميع. ثم استيقظنا على قرار مدير أمن القليوبية بإقالة عمدة ميت عاصم. وكأن التاريخ يعيد نفسه، لكن بصورة أشد فجاجة، لأن الفضيحة هذه المرة لا تبقى داخل حدود الكفر، بل تنتشر بضغطة زر.

وحسنًا فعل نقيب الصحفيين خالد البلشي بإصدار بيان يناشد فيه وسائل الإعلام التوقف عن نشر صور الشاب في وضعه المشين، خاصة بعدما أثبتت التحريات أن الفتاة ذهبت إليه بإرادتها هربًا من أهلها الذين يرفضونه ويجبرونها على الارتباط بآخر.
هنا يتجاوز الأمر حكاية شاب وفتاة.
السؤال الذي يطاردنا: هل اختلف سلوك البشر في ميت عاصم عن الناس في كفر عسكر؟ أم أن أدوات الإهانة فقط هي التي تطورت؟ في الماضي كان الغناء الجماعي والسياط، واليوم الكاميرا والبث المباشر والتعليقات الساخرة. في الماضي كانت الفضيحة محلية، واليوم رقمية خالدة، لا تموت ولا تُنسى.
أين تأثير التعليم الذي توسّع؟ وأين الثقافة التي نفاخر بها؟ وأين خطاب الدين الذي يملأ المنابر والشاشات؟ اين الاخلاق وأبسط قواعد الأنسانية؟ كيف يتحول مجتمع بأكمله إلى محكمة ميدانية، وجلادين بلا تفويض، وقضاة بلا قانون؟
المأساة الحقيقية ليست في خطأ شاب أحب، أو فتاة تمردت، بل في عقل جمعي يرى الإذلال وسيلة للردع، والفضيحة طريقًا لحماية الشرف، وكأن الشرف هشّ إلى هذا الحد فيحتاج إلى تمزيق إنسان كي يثبت وجوده.
الفرق الوحيد بين كفر عسكر وميت عاصم أن الأولى كانت دراما كتبها أديب، أما الثانية فواقع كتبه الغضب والجهل والخوف من كلام الناس. هناك كنا نشاهد القسوة على الشاشة فنغضب، وهنا نعيد إنتاجها بأيدينا، ثم نستغرب كيف تدهورت الأخلاق.
ربما لم يتغير الكفر، بل تغيرت المرايا. صارت هواتفنا مرايا تكشف قبحنا مضاعفًا، وتخلّد لحظات سقوطنا الأخلاقي.
ويبقى السؤال الذي لا يحتمل الهروب:
هل نحن حقًا أبناء قرن جديد، أم أننا ما زلنا نحمل في داخلنا كفر عسكر، نطوف به كلما خالف أحدهم أعرافنا، لنجلده باسم الفضيلة؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى