من النيل إلى الفرات حين تتحول أوهام “إسرائيل الكبرى” إلى خطاب تحريضي فج

بقلم / وليد محمد عبد اللطيف

أشعل تصريح مايك هكابي بشأن ما يُسمّى بـ«إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات» موجة غضب عارمة ليس لأنه تصريح صادم فحسب بل لأنه يُعيد إلى الواجهة أخطر ما في العقلية الاستعمارية: تحويل الأساطير والأوهام الأيديولوجية إلى مشروع سياسي ومحاولة تسويق العدوان باعتباره “حقًا تاريخيًا”.
هذا الخطاب الذي يتغذّى على قراءة انتقائية ومشوّهة للتاريخ لا يكتفي بإنكار حقوق الشعب الفلسطيني بل يتجاوز ذلك ليضع سيادة دول كاملة في مهب الريح متعاملًا مع الجغرافيا العربية وكأنها أرض بلا أصحاب الحديث عن امتداد من نهر النيل إلى نهر الفرات ليس زلة لسان ولا مبالغة خطابية بل تعبير فجّ عن نزعة توسعية تتناقض صراحة مع القانون الدولي ومع أبسط مبادئ احترام سيادة الدول.
الأخطر في تصريحات هكابي أنها لا تصدر عن هامش سياسي معزول بل عن شخصية محسوبة على التيار اليميني المتطرف الداعم بلا شروط لسياسات الاحتلال. وهنا تكمن الكارثة: حين يتحول التطرف إلى رأي “قابل للنقاش” وحين يُطرح التوسع والهيمنة باعتبارهما رؤية سياسية لا جريمة أخلاقية وقانونية.
إن الترويج لفكرة “إسرائيل الكبرى” يعيد إنتاج منطق القوة الغاشمة ويُسقط كل ادعاءات الحديث عن السلام أو حل الدولتين أو التعايش فكيف يمكن لمن يحلم بابتلاع المنطقة من النيل إلى الفرات أن يقنع العالم بأنه يبحث عن أمن أو سلام؟ وأي سلام هذا الذي يُبنى على إنكار وجود الآخرين؟
هذا النوع من الخطاب لا يهدد الفلسطينيين وحدهم بل يضرب استقرار الشرق الأوسط بأكمله ويفتح الباب أمام صراعات إقليمية لا نهاية لها وهو في جوهره إعلان عداء صريح لكل دولة عربية ولكل شعب يرفض أن يكون مجرد تفصيلة في خريطة توسعية تُرسم في مكاتب ساسة متعصبين.
كما أن الصمت الدولي أو التبرير تحت ذريعة “حرية الرأي” يُعد مشاركة غير مباشرة في شرعنة هذا التطرف. فحرية الرأي لا تعني التحريض على الاحتلال ولا تمنح أحدًا حق التهديد بتفكيك دول ذات سيادة معترف بها دوليًا والقانون الدولي واضح: الحدود لا تُرسم بالأوهام ولا تُغيَّر بالتصريحات ولا تُفرض بالقوة.
إن الرد الحقيقي على مثل هذه التصريحات يجب أن يكون سياسيًا وإعلاميًا وقانونيًا حاسمًا يضع حدًا لاستخدام الدين والتاريخ كغطاء للعدوان ويؤكد أن القرن الحادي والعشرين لا مكان فيه لمشاريع “الإمبراطوريات المقدسة” ولا لأحلام التوسع على حساب دماء الشعوب.وكانت وزارة الخارجية المصرية اصدرت بيان ادانة واستنكار لمثل هذه التصريحات وخصوصا بعد مااكد الرئيس ترامب على رؤيته التى طرحها والنقاط العشرين ذات الصلة بانهاء حرب غزة وكذلك مؤتمر مجلس السلام الذى عقد بواشنطن يوم 19 من الشهر الجارى.
ختامًا فإن أوهام “من النيل إلى الفرات” ستبقى مجرد أوهام لأن الجغرافيا لا تخضع للخطابات المتطرفة ولأن الشعوب التي صمدت أمام الاحتلال لعقود قادرة على إسقاط كل مشروع يقوم على الغطرسة والعدوان. التاريخ لا يُكتب بالتصريحات بل بصمود الدول ووعي الشعوب.







