مقالات

برقيات.. جيهان عبد الرحمن تكتب ..رؤية مختلفة لحكاية النص

سأقتبس من مسلسل النص الذي عرض في موسم رمضان 2025 والجزء الثاني في 2026 بطولة أحمد أمين واسماء ابو اليزيد فكرة النص ذاتها لكن بعيدا عن نقابة النشالين واللص التائب ومقاومة الاحتلال. فكرة التقسيم الي نصفين وإعلاء اي نصف علي النصف الآخر.

عقل الإنسان ذاته مقسم الي نصفين أو فصين كما تعلمنا في المدارس وقت أن كان هناك تعليما حقيقيا.

العقل الذي يحسب… والقلب الذي يفهم حيث يؤكد علماء الأعصاب إن الدماغ البشري ليس كتلة واحدة متجانسة، بل ينقسم إلى نصفين لكل منهما ميل مختلف. النصف الأيسر يميل إلى التحليل والمنطق واللغة والحساب، بينما يميل النصف الأيمن إلى الخيال والصورة والإحساس. وبين هذين العالمين يمتد جسر عصبي بالغ التعقيد مهمته أن يضمن استمرار الحوار بين جانبي الدماغ، حتى لا ينفصل التفكير عن الشعور، ولا يتحول الإنسان إلى آلة حساب باردة أو كتلة عاطفة بلا بصيرة.
ومن هذا المنطلق كان التنوع والتوازن بين أنماط البشر
هذه الحقيقة العلمية الصغيرة تخفي وراءها معنى إنساني كبير فالحضارة البشرية لم تبني يومًا بالمنطق وحده، كما لم تبني بالعاطفة وحدها. الرياضيات التي تقيس حركة الكواكب تحتاج إلى خيال يتصور ما لا يُرى، كما أن القصيدة التي تهز القلب تحتاج إلى عقل ينظم كلماتها ويصوغ إيقاعها. لذلك لم يكن غريبًا أن نجد أعظم العقول العلمية تمتلك خيال واسع، فكان الطبيب الشاعر ابراهيم ناجي ورائعة الاطلال وأن نجد كبار الأدباء يفكرون بمنطق العلماء، أو العكس مثل د.مصطفي محمود وفي وقتنا الحالي يمتعنا د.جمال مصطفى الجراح العالمي الكبير بمجموعة مقالات أدبية مشوقة.

في تراثنا الفكري نجد المؤرخ الفيلسوف ابن خلدون حين تأمل حركة التاريخ في مقدمته الشهيرة لم ينظر إلى المجتمعات بوصفها معادلات جامدة، بل ربط بين العمران البشري و طبائع الناس و عواطفهم و عصبياتهم. لقد فهم أن التاريخ ليس مجرد أرقام للسنين والوقائع، بل هو شبكة معقدة من الدوافع الإنسانية التي لا يمكن للعقل المجرد وحده أن يفسرها.
وبالطريقة نفسها حاول المتصوف و الفيلسوف أبو حامد الغزالي يميز بين نوعين من المعرفة احدها يكتسبها العقل بالحجة والبرهان، وأخرى أعمق تدركها البصيرة والوجدان. لم يكن الغزالي ينفي العقل، بل كان يحذر من أن يتحول إلى سلطة مغلقة لا تسمع إلا صوتها. فالعقل في نظره أداة ضرورية، لكنه يظل بحاجة إلى نور يرشده حتى لا يضل الطريق.

العقل حين يعمل وحده قد ينتج آلات مذهلة، لكنه قد ينتج أيضًا وسائل أكثر كفاءة للأذى والدمار. وعلى الجانب الآخر، فإن العاطفة حين تنفصل عن العقل قد تتحول إلى اندفاع أعمى لا يميز بين الحق والباطل.
لهذا يبدو الإنسان في جوهره مشروع توازن دائم. هو كائن يعيش بين عالمين: عالم الأرقام الذي يقيس الأشياء بدقة، وعالم المعاني الذي يمنح الأشياء قيمتها. وبين هذين العالمين يستمر ذلك الحوار الصامت داخل الدماغ، حيث تتبادل الإشارات عبر الجسر العصبي الدقيق، كأن الطبيعة نفسها تذكّرنا بأن الحكمة لا تولد من طرف واحد.

ولعل الدرس الأعمق في هذه الحقيقة أن الإنسان لا يرى العالم كاملًا إلا بعينين: عين تفكر، وعين تشعر. فإذا أغمض إحداهما اختلت الصورة. أما حين يلتقي العقل بالرحمة، والمنطق بالخيال، فهناك فقط تبدأ الحضارة الحقيقية في الظهور.

لماذا اربط بين حكاية النص الذي طرح في الدراما الرمضانية وبين هذا المقال، هي فكرة التقسيم ذاتها والخلل الذي قد يحدث من إعلاء اي نصف عن الآخر وخاصة في مجال المناهج التعليميه سواء قبل الجامعي أو الجامعي وثمة محاولات بإلغاء بعض العلوم الأنسانية أو تهميشها، أو إلغاء بعض الكليات ودمج تخصصات علي حساب تخصصات أخري لا يحتاجها سوق العمل لكن في كل الأحوال الحضارة لا تبني بنصف عقل ولا تنهض أمة بلا علوم انسانية ومنطق وفلسفة وعلم نفس وعلم أجتماع ولغات وترجمة.

النص الأول لا يقل أهمية عن النص الثاني. مع كامل الاحترام لمسلسل النص الذي أخرجه حسام علي الذي انتهي دون أن يعلم المشاهد لماذا سمي النص بالنص.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى