نحو منظومة قانونية متكاملة لحماية الطفل بعد الطلاق

بقلم/ د.ريهام فتحى فهمى -دكتوراة فى القانون الجنائي
دراسة مقارنة واقتراح تشريعي في إطار نظام (الوديعة الإلزامية والرقابة المؤسسية والنظام الرقمي الموحد)
م تعد قضية تعديل قانون الأحوال الشخصية تقتصر على مجرد تعديل النصوص القانونية أو زيادة قيمة النفقة بنفس الآلية المطبقة حاليا لأنها اثبتت فشلها، بل الأمر تجاوز ذلك ليطرح إشكالية أعمق تتعلق بغياب الإطار المؤسسي المحايد الذي يكون قادر على ضبط العلاقة بين الأطراف وإلزامهم ، بما يكفل حماية وموازنة حقوق جميع الأطراف وعلى رأسها مصلحة الطفل بعد الطلاق.
مقال ومقترح تشريعى بعنوان :
دراسة مقارنة واقتراح تشريعي في إطار نظام
(الوديعة الإلزامية والرقابة المؤسسية والنظام الرقمي الموحد)
بقلم/ د.ريهام فتحى فهمى -دكتوراة فى القانون الجنائي
بعد أن أثبت قانون الأحوال الشخصية الحالي فشله في معالجة الإشكالات العملية المتفاقمة داخل الأسرة، وفي ظل التوجيهات الصادرة اليوم عن الرئيس عبد الفتاح السيسي بشأن الإسراع في إعداد مشروعات القوانين المنظمة لشؤون الأسرة، باعتبارها استجابة ضرورية لواقع يكشف يومًا بعد يوم عن فجوات حقيقية في منظومة الحماية القانونية، سواء على المستوى المالي أو النفسي، ولا سيما في حالات الانفصال وما يترتب عليها من نزاعات تمتد آثارها المباشرة إلى الأطفال.
فعلى الرغم من وجود نصوص قانونية تنظم الحضانة والنفقة والرؤية، إلا أن الواقع العملي يكشف أن الإشكالية الجوهرية في قضايا النفقة لا تتمثل في تقرير الحق، وإنما في ضمان تنفيذه الفعلي والفوري بما يحمي مصلحة الطفل، فعلى الرغم من استقرار مبدأ إلتزام الأب بالإنفاق في معظم التشريعات، إلا أن الواقع العملي يكشف عن فجوة واضحة بين الحكم القضائي وبين التنفيذ الفعلي، وما يترتب عليه من أعباء اجتماعية واقتصادية جسيمة على الحاضن، والتى غالبًا ما تكون الأم، وعلى الأطفال في المقام الأول، فأغلب الإشكالات تتمثل فى عدم وجود ضمان فعلي للإنفاق المستمر، وتحول الطفل إلى أداة نزاع بين الأطراف، بالإضافة إلى جود ضعف فى الرقابة على الالتزام بعد صدور الأحكام وصعوبة تنفيذها فى بعض الحالات، وغياب جهة واحدة مسؤولة عن إدارة ملف الطفل بعد الطلاق، ووجود بطء فى تنفيذ أحكام النفقة والرؤية.
وفي ضوء هذا الواقع، لم يعد التطوير التشريعي ترفًا قانونيًا، وإنما أصبح ضرورة ملحة تفرض إعادة النظر فى تلك القوانين .
ومن هذا المنطلق، يطرح هذا المقترح تصورًا متكاملًا لإنشاء منظومة إلزامية لحماية الطفل بعد الطلاق، حيث يهدف هذا المقترح إلى إعادة بناء منظومة حماية للطفل بعد الطلاق بشكل لا يترك التنفيذ للاجتهاد الفردي أو النزاع الأسري، وإنما يقوم على نظام إلزامي مُدار مؤسسيًا يضمن الاستقرار النفسي والمعيشي والتعليمي للطفل باعتباره الطرف الأضعف.
المحور الأول : الضمان المالى للطفل
أولاً: نظام “الوديعة الإلزامية للطفل” – أو نموذج الضمان المسبق
استحداث نظام “الوديعة الإلزامية” فى حالة يسار الزوج، بحيث يُلزم عند الطلاق ، بإيداع مبلغ مالي مخصص لنفقة الأطفال تحدد وفق تقدير القاضى فى ضوء تقديره للنفقة الشهرية بحيث تغطى مدة زمنية تترواح ما بين ( 6-12 ) شهرًا تخصص لصالح الطفل، بحيث لا ينتظر الطفل إرسال النفقة من الأب أو تعرضه للمطالبة بها، ويشكل هذا النموذج تطورًا عن الأنظمة التقليدية لأنه يخفف من حدة النزاع المالى على النفقة الشهرية، ويعد ضمان و”تأمين مسبق” للطفل.
ثانيًا: نموذج الضمان الحكومي للنفقة
في حالة التعثر، تتدخل الدولة بدفع النفقة كاملة فورًا في حالة الامتناع عن أدائها، مع اعتبار المبلغ دينًا على الأب لصالح الدولة، تقتضيه وتحصله عبر أدوات تنفيذ فعالة.
فعلى سبيل المثال، نجد ذلك النموذج مطبق فى فرنسا من خلال نظام ARIPA ( وهى الوكالة المتخصصة في تحصيل نفقة الأطفال)، حيث تتولى ضمان دفع نفقة الطفل بانتظام والحد من التهرب من المسؤولية المالية، حيث تقوم بدفع النفقة عند امتناع الأب، ثم تقوم باستردادها منه، كما نجد هذا النموذج مطبق أيضًا في المملكة المتحدة عبر Child Maintenance Service، حيث يتم تحصيل النفقة مباشرة من الدخل أو الحسابات البنكية.
وهنا اصبحت الدولة ليست طرفًا سلبيًا في العلاقة الأسرية، بل ضامن لحقوق الطفل باعتبارها التزامًا اجتماعيًا عامًا وأصبحت هى الخصم بديلاً عن الأم فى اقتضاء النفقة وتحصيل حقوقها المالية، وذلك بهدف عدم تعطيل احتياجات الطفل بسبب النزاع.
المحور الثانى : المنظومة الرقمية المتكاملة لحماية الطفل بعد الطلاق
ويُقصد بها إنشاء ملف رقمي موحد للطفل يتضمن بياناته الأساسية وحالته التعليمية والصحية والنفسية، وسجل الالتزامات المالية والرعائية الخاصة به، بما يسمح بالمتابعة المستمرة والتدخل السريع عند الإخلال بأي من حقوقه.
يكون ذلك عن طريق إنشاء جهاز يسمى “جهاز حماية حقوق الطفل “، تتلخص مهام الجهاز فيما يلى:
- إنشاء “ملف رقمي للطفل” بداية من الطلاق وحتى الاستقلال المالي.
- تبنى مفهوم “خطة رعاية الطفل بعد الطلاق “ حيث يلتزم فيها الأبوين بوضع خطة بعد الطلاق تشمل (المصروفات ، التعليم ، الرعاية الصحية ، مواعيد الزيارة ) ويتم الالتزام والعمل بها وإرفاقها فى ملف الطفل ومتابعة تنفيذها.
- متابعة النفقة كالتزام مالي ، عن طريق ربط النفقة بنظام تتبع مالى، ورصد أى تأخيرات تلقائيًا، يكون لها صلاحية إصدار التنبيهات و الإنذارات عند أي تقصير أو خطر .
- تنظيم حق الرؤية ، عن طريق جدولة الزيارات بشكل الكترونى، تسجيل حالات الامتناع أو التعنت، والتدخل الفورى إن لزم الأمر، ضمان بيئة مناسبة للطفل بعيدًا عن التوتر.
- التنسيق مع الجهات المالية والتنفيذية، بحيث تعمل الوحدة كحلقة وصل بين كل من المحكمة والبنوك أو جهات العمل ووزارة التضامن ، مراكز الشرطة عند التنفيذ.
ونجد فى الولايات المتحدة إنموذجًا قريبًا Child Support Enforcement System (CSE) وهو يعرف أيضًأ باسم مكتب تنفيذ نفقة الطفل (OCSE) حيث يعتبر برنامجاً فيدرالياً- ولائياً بموجب البند IV-D من قانون الضمان الاجتماعي يمتلك سلطة تنفيذية مثل الحجز على الدخل لضمان دفع النفقة في مواعيدها ، فبمجرد صدور أمر المحكمة، يتم فتح Child Support Case بحيث لا يُغلق هذا الملف إلا بالتسوية أو بلوغ الطفل سن الرشد، وبه وحدة تنفيذ متخصصة داخل كل ولاية تتبع المدين بالنفقة.
المحور الثالث : الدعم النفسي والإرشاد الأسري لضمان مصلحة الطفل بعد الطلاق
تعد الرعاية النفسية والإرشادية أحد المكونات الجوهرية في منظومة حماية الطفل بعد الطلاق، حيث لا تقتصر الحماية على الجوانب القانونية والمالية، وإنما تمتد إلى معالجة الآثار النفسية والاجتماعية المترتبة على الانفصال الأسري.
ويستهدف هذا المحور إرساء منظومة دعم نفسي وإرشادي مؤسسي للطفل والأبوين، بما يضمن التخفيف من حدة النزاعات الأسرية، والحد من آثارها السلبية على الصحة النفسية والسلوك الاجتماعي للطفل، وتحسين أساليب التواصل بين الأطراف بعد الطلاق، بما يخدم مصلحة الطفل الفضلى.
ويمتد نطاق هذا المحور إلى المتابعة النفسية الدورية للأطفال في حالات النزاع، مع إتاحة التدخل المهني المبكر عند ظهور مؤشرات اضطراب أو ضرر نفسي، وذلك بالتنسيق مع الجهات المختصة بالصحة النفسية والرعاية الاجتماعية.
وبذلك، يُسهم هذا المحور في تحقيق حماية متكاملة للطفل تجمع بين البعد القانوني والمالي من جهة، والبعد النفسي والاجتماعي من جهة أخرى. عن طريق:
- جلسات تأهيل إجبارية قبل وبعد الطلاق للأسرة كاملة ووضع تقارير شهرية ترفق بملف الطفل .
- تجريم “الإيذاء النفسي غير المباشر للطفل” عن طريق التحريض ضد الطرف الآخر واستخدام الضغط العاطفي وتشويه صورة الأب/الأم.
وختامًا، يتكامل هذا التصور المقترح عبر محاوره المختلفة – المالية والمؤسسية والرقمية والنفسية -ليُرسخ نموذجًا قانونيًا حديثًا لحماية الطفل بعد الطلاق، يقوم على ضمان التنفيذ الفعلي للحقوق، واستمرارية الرعاية، وتحقيق التوازن الأسري، بما يضع مصلحة الطفل الفضلى في صدارة الاعتبارات التشريعية والتنفيذية للحد من مظاهر العنف والتفكك الأسري، والآثار السلبية المترتبة عليهما، والتي يتحمل تبعاتها أطفال في مراحل عمرية مبكرة دون ذنب لهم.







