“أفعالكم أهم من كلماتكم”.. الملك تشارلز أمام الكونجرس يحث على “عزيمة لا تلين” لدعم أوكرانيا

وقف الملك تشارلز الثالث على منصة الكونجرس الأمريكي ليلقي أول خطاب ملكي بريطاني في قاعة الكابيتول منذ خطاب الملكة إليزابيث الثانية عام 1991، في خطاب وصفه المراقبون بأنه من أكثر المخاطبات الملكية شحنًا بالمعنى السياسي منذ عقود.
جاءت الزيارة في ظاهرها احتفالًا بمرور مائتين وخمسين عامًا على تأسيس الولايات المتحدة، غير أنها وُصفت في الوقت ذاته بأنها مهمة إنقاذ دبلوماسية في لحظة تشهد فيها العلاقات الأنجلو-أمريكية توترًا ملحوظًا، انعكاسًا لتردد لندن في دعم الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران بشكل كامل.
وقد وظّف تشارلز ثقل التاريخ المشترك والروابط الأطلسية العميقة في خدمة رسالة جوهرية واحدة: أن الغرب لا يستطيع أن يتراجع عن التزاماته في هذه اللحظة الفارقة، وفقا لهيئة الإذاعة البريطانية.
استحضار التاريخ ومواجهة الحاضر
اختار الملك تشارلز لغة تستدعي أمجاد التحالف الغربي في لحظاته الأشد اختبارًا، مستحضرا ذكرى الحرب العالمية الثانية والتضحيات المشتركة التي أرست الأساس الذي قام عليه النظام الدولي الليبرالي في مرحلة ما بعد الحرب. وطالب بما وصفه بعزيمة لا تلين في دعم أوكرانيا والحفاظ على وحدة حلف شمال الأطلسي، في رسالة موجهة بوضوح إلى أعضاء الكونجرس الذين تتصاعد في صفوفهم أصوات تشكك في جدوى الاستمرار في تمويل الحرب بهذا الحجم.
واستشهد بما قاله وزير الخارجية الأمريكي الأسبق هنري كيسنجر حين تحدث عن الشراكة الأطلسية، مشيرًا إلى أن المرة الوحيدة التي حشد فيها حلف الناتو للدفاع عن إحدى دوله كانت في أعقاب هجمات الحادي عشر من سبتمبر. وحرص الملك على ألا يُسمّي أحدًا بالاسم أو يشير إلى خلافات بعينها، غير أن السياق جعل كل جملة تحمل أكثر مما تقوله الكلمات صراحة، وفقا لصحيفة الجارديان.
وتوقف المراقبون عند توظيف تشارلز لمفهوم الوحدة الأطلسية بوصفه إرثًا لا يمكن التفريط فيه لا مجرد ترتيب سياسي قابل للمراجعة، وهو توصيف ينطوي على رد ضمني على خطاب ترامب الذي طالما تعامل مع الحلف بمنطق الصفقة والتكلفة والعائد. وقد سخر ترامب في وقت سابق من البحرية البريطانية واصفًا سفنها بالألعاب وحاملات طائراتها بغير الفعالة، فجاء رد تشارلز ذكيًا حين أشار تحديدًا إلى سنوات خدمته في البحرية الملكية، مستغلًا ذلك منطلقًا للحديث عن عمق العلاقات الأمنية والاستخباراتية بين البلدين، وفقا لصحيفة فايننشال تايمز.
رمزية المنصة ودلالة التوقيت
لم يكن اختيار منصة الكونجرس بالأمر العابر، فهي المنصة التي خاطب منها ونستون تشرشل الأمريكيين في أحلك ساعات الحرب العالمية الثانية، والتي وقف عليها من بعده قادة بريطانيون في لحظات فارقة من تاريخ العلاقة الخاصة بين البلدين. واستحضار هذا الإرث الرمزي في خضم جدل أمريكي داخلي محتدم حول مستقبل التزامات واشنطن الدولية لم يكن محض مصادفة، بل كان رسالة مقصودة تقول إن ما يبنى على مدى عقود لا ينبغي أن يهدم في سنوات.
وعلى صعيد التوقيت، جاء الخطاب في مرحلة تشهد فيها المفاوضات حول وقف إطلاق النار في أوكرانيا تحولات متسارعة، وسط تقارير عن ضغوط أمريكية على كييف للقبول بتسويات قد تنطوي على تنازلات إقليمية مؤلمة. وفي هذا السياق بدا خطاب تشارلز وكأنه محاولة لتعزيز الموقف الأوروبي الداعم لصمود أوكرانيا قبل أن تحسم أي تسوية دون مشاركة كافية من الحلفاء الأوروبيين.
وقد استهل الملك خطابه بالاعتراف الصريح بأوقات عدم اليقين الشديد التي تواجه البلدين، مشيرًا إلى الصراعات في الشرق الأوسط وأوروبا، ثم انتقل للحديث عن حقيقة أن البلدين لم يكونا دائمًا على اتفاق، قائلًا باستحضار روح عام 1776 إننا نستطيع أن نتفق على أننا لا نتفق دائمًا، قبل أن يخلص إلى أنهما حين يتحدان يستطيعان تحقيق إنجازات عظيمة ليس فقط لشعوبهما بل لجميع الشعوب.
الكونجرس بين الإطراء والتحفظ
استقبل أعضاء الكونجرس الخطاب باهتمام واضح، وإن تباينت ردود الفعل بحسب الانتماءات السياسية. فبينما أبدى الديمقراطيون حماسًا صريحًا لمضمون الخطاب ورسائله، جاءت ردود فعل الجمهوريين أكثر تحفظا، إذ آثر بعضهم الإشادة بالزيارة الملكية شكلًا دون الانخراط في نقاش مضمون الرسائل السياسية التي حملها. وهو انقسام يعكس في حقيقته الاستقطاب الأمريكي الداخلي العميق حول الدور الدولي للولايات المتحدة أكثر مما يعكس موقفًا من شخص الملك أو من بريطانيا، وفقا لموقع بوليتيكو.
فكاهة ملكية في قاعة الكابيتول.. وإشارات تحرج البيت الأبيض
لم يكتفي الملك تشارلز بالرسائل السياسية الثقيلة، بل أضفى على خطابه لحظات من الدعابة الذكية التي خففت أجواء القاعة دون أن تفقده رصانته. فاستهل حديثه بمقولة أوسكار وايلد الشهيرة عن أن الولايات المتحدة وإنجلترا تشتركان في كل شيء باستثناء اللغة، ثم مازح بشأن التقليد البريطاني القاضي باحتجاز أحد أعضاء البرلمان رهينة رمزية حين يلقي الملك خطابه في ويستمنستر، متساءلا بخفة عما إذا كان أحد أعضاء الكونجرس قد تطوع لهذه المهمة اليوم. غير أن اللحظة الأكثر إثارة للجدل كانت حين استشهد بمبدأ الماغنا كارتا وإخضاع السلطة التنفيذية للضوابط والتوازنات، فانفجر الديمقراطيون في تصفيق حار بدا أقرب إلى التظاهرة منه إلى المجاملة، في إشارة لم تخطئها عيون المراقبين إلى الجدل الداخلي الأمريكي المحتدم حول صلاحيات الرئيس ترامب، ولا سيما أن مسيرات لا للملوك التي اجتذبت مئات الآلاف في أنحاء البلاد كانت تتخذ من هذا المبدأ تحديدًا شعارًا لها. وختم الملك بعبارة لافتة مفادها أن لكلمات أمريكا وزنًا ومعنى لكن أفعالها أهم، وهي جملة أثارت همهمات موافقة في صفوف الديمقراطيين ممن رأوا فيها تحذيرًا ضمنيًا لا يحتاج إلى تفسير.
ظل إبستين يحوم فوق القاعة.. وتشارلز يتحاشى السؤال المحرج
لم يكن الخطاب بمنأى عن الظل الثقيل لقضية جيفري إبستين التي لا تزال تلاحق المؤسسة الملكية البريطانية وتعكر صفو العلاقات الأنجلو-أمريكية. فقد تساءل كثيرون قبيل الزيارة عما إذا كان الملك سيتطرق ولو بإشارة إلى ضحايا المجرم الجنسي الراحل، لا سيما في ضوء ما كشفته الملفات التي أفرج عنها من معلومات جديدة بشأن علاقات إبستين بأصحاب النفوذ، ومنهم شقيق الملك الأمير أندرو وسفير المملكة المتحدة السابق لدى واشنطن بيتر ماندلسون. وقد آثر تشارلز الصمت الكامل في هذا الملف، مكتفيًا بإشارة مبهمة إلى ضرورة دعم ضحايا بعض الآفات الموجودة في مجتمعاتنا، وهي عبارة بدت لمن طالبوا بلقاء الناجين أثناء الزيارة أشبه بالتحايل منها بالاعتراف. والأكثر إثارة أن القضية باتت تتشعب على الجانبين معًا، ففي حين واجهت المملكة المتحدة تداعياتها السياسية بشكل أوسع نسبيًا، تبقى خيوطها الأمريكية لم تُكشف بالكامل بعد، في مشهد يُلقي بظلاله الثقيلة على زيارة أُريد لها أن تكون احتفالًا لا مساءلة.
حسابات ترامب.. ومشهد خلف الكواليس
على الجانب الأمريكي، لم تكن الحفاوة بلا حسابات. فترامب الذي يولي أهمية بالغة للرمزية والصورة وجد في استقبال ملك بريطانيا مناسبةً تعكس مكانته على الساحة الدولية. وبعد اجتماع البيت الأبيض بدا الرئيس مسرورًا حين قال عن ضيفه إنه إنسان رائع وهذا شرف عظيم، وهو توصيف نادر في علاقة رئيس يصف كثيرًا من الزعماء الأجانب بالتعجرف أو الضعف. وتكشف مصادر مطلعة على مجريات الزيارة أن الملك حمل معه رسائل واضحة تتعلق بملف أوكرانيا، ناقلًا قلقًا بريطانيًا وأوروبيًا عميقًا من أي تراجع أمريكي في دعم كييف، فيما كانت الرسوم الجمركية على البضائع البريطانية حاضرةً بقوة في المحادثات وإن تعذّر انتزاع أي تعهدات علنية بشأنها.
صوت أوروبا في قلب واشنطن
كان خطاب تشارلز أمام الكونجرس أكثر من مجرد كلمة ملكية في مناسبة دبلوماسية، كان صوت أوروبا القلقة يصل إلى قلب المؤسسة التشريعية الأمريكية عبر لسان ملك يحمل من الرمزية التاريخية ما لا يستطيع حمله أي رئيس حكومة. وقد وصف تشارلز في ختام خطابه المصالحة والتجديد بأنهما سمة مميزة لقرون من العلاقات بين البلدين، في رسالة ختامية تقول إن التوتر الراهن ليس قدرًا محتومًا بل مرحلة عابرة في علاقة أعمق وأرسخ من أن تُزعزعها خلافات المرحلة. وسواء أحدث هذا الخطاب تحولًا فعليًا في المزاج السياسي الأمريكي أم لا، فإنه أرسى توثيقًا تاريخيًا لموقف بريطانيا وأوروبا في لحظة مفصلية من شأنها أن تحدد ملامح النظام الدولي للعقود المقبلة.







