
بقلم / وليد محمد عبد اللطيف

لم تعد ظاهرة الكلاب الضالة في مصر مجرد مشهد عابر في الشوارع والميادين بل تحولت إلى أزمة حقيقية تمس الأمن المجتمعي والصحة العامة وراحة المواطنين خاصة مع تزايد الشكاوى من حوادث العقر ومهاجمة الأطفال وكبار السن وانتشار تجمعات الكلاب في المناطق السكنية.
وبينما تتضارب التقديرات حول أعداد الكلاب الضالة تشير تقديرات رسمية حديثة إلى وجود ما بين 10 و11 مليون كلب ضال في مصر فيما تذهب تقديرات أخرى إلى أرقام أعلى بكثير وهو ما يعكس حجم المشكلة وتعقيدها.
بين الرفق بالحيوان وحق الإنسان في الأمان
لا أحد يرفض الرفق بالحيوان فالدين والأخلاق والإنسانية كلها تدعو إلى الرحمة بالحيوان وعدم تعذيبه. لكن في الوقت نفسه لا يجوز أن يتحول شعار الرفق بالحيوان إلى تجاهل لمخاوف المواطنين أو التقليل من خطورة الظاهرة.
المعادلة الحقيقية يجب أن تكون واضحة: حماية الحيوان لا تعني تعريض الإنسان للخطر كما أن حماية الإنسان لا تعني الإساءة للحيوان والحل يكمن في إدارة علمية ومنظمة للأزمة وليس في تركها تتفاقم عامًا بعد عام.
من المستفيد من استمرار الأزمة؟
السؤال الذي يطرحه كثير من المواطنين هو: لماذا لا تزال الأزمة قائمة رغم أنها أصبحت محل جدل منذ سنوات طويلة؟ ولماذا لا توجد حتى الآن خطة قومية حاسمة تؤدي إلى انخفاض واضح في أعداد الكلاب الضالة؟
هذه التساؤلات تحتاج إلى إجابات شفافة وواضحة لأن استمرار الأزمة بهذا الحجم يفتح الباب أمام الشائعات والتكهنات ويزيد من حالة الغضب الشعبي خاصة في ظل تكرار حوادث العقر وما يترتب عليها من معاناة صحية ونفسية للأسر.
الحلول موجودة ولكنها تحتاج إلى إرادة وتنفيذ الحل ليس مستحيلاً فهناك دول كثيرة نجحت في السيطرة على الظاهرة من خلال برامج التعقيم والتطعيم وإنشاء مراكز إيواء متخصصة خارج المناطق السكنية مع فرض رقابة صارمة على مصادر الغذاء العشوائية التي تساعد على تكاثر الكلاب وانتشارها.
كما يمكن للدولة بالتعاون مع المجتمع المدني والقطاع الخاص إنشاء منظومة متكاملة للتعامل مع الأزمة بحيث يتم تقليل الأعداد تدريجيًا والوصول إلى شوارع أكثر أمانًا للمواطنين دون الإضرار بالحيوان.
السؤال الذي يفرض نفسه: لماذا تتفاقم الأزمة عامًا بعد عام؟ وأين الحلول الجذرية؟
المواطن البسيط لا ينظر إلى القضية من زاوية النظريات أو الشعارات بل من زاوية الخوف اليومي على أطفاله أثناء الذهاب إلى المدرسة أو اللعب في الشارع. فحوادث العقر تتكرر وشكاوى الأهالي تتزايد بينما يشعر كثيرون بأن الملف يتحرك ببطء مقارنة بحجم الخطر.
وفي المقابل يرى المدافعون عن الحيوانات أن الحل لا يكون بالعشوائية أو الإيذاء بل من خلال برامج التعقيم والتطعيم وإنشاء الملاجئ المنظمة. لكن الواقع يفرض سؤالًا آخر هل الإمكانيات الحالية كافية للتعامل مع ملايين الكلاب المنتشرة في المحافظات والقرى والنجوع؟
رسالة إلى الحكومة
ملف الكلاب الضالة لم يعد قضية هامشية أو موضوعًا للنقاش على مواقع التواصل الاجتماعي فقط بل أصبح ملفًا يمس الأمن المجتمعي والصحة العامة وجودة الحياة للمواطن المصري.
وكل يوم يمر دون حلول جذرية يزيد من حجم المشكلة وتعقيدها لذلك أصبح من الضروري التحرك بخطة واضحة ومعلنة لها أهداف محددة وجداول زمنية معلومة حتى يشعر المواطن بأن هناك تحركًا حقيقيًا لإنهاء واحدة من أكثر الأزمات إزعاجًا في الشارع.
الحكومة المصرية بدأت بالفعل في تنفيذ خطط لإنشاء ملاجئ وتوسيع برامج التطعيم والتعقيم للحد من الظاهرة بصورة علمية ومنظمة.
لكن المطلوب اليوم ليس مجرد حلول مؤقتة بل استراتيجية وطنية شاملة تشمل:
- إنشاء ملاجئ كبيرة خارج الكتل السكنية.
- تكثيف حملات التعقيم والتطعيم.
- تشديد الرقابة على إلقاء مخلفات الطعام التي تساعد على تكاثر الكلاب.
- تنظيم عمليات التبني والرعاية.
- وضع خطة زمنية واضحة لخفض أعداد الكلاب الضالة في المناطق المأهولة.
القضية لم تعد قضية حيوان أو إنسان فقط بل قضية توازن بين حق المواطن في الأمان وحق الحيوان في المعاملة الإنسانية.
ويبقى السؤال الأهم هل ننتظر حتى تتفاقم الأزمة أكثر أم نتحرك الآن بحلول عملية وجذرية تحفظ أمن المواطنين وتضع حدًا لواحدة من أكثر الظواهر إثارة للجدل في الشارع المصرى..







