مقالات
شريف طه الخولي يكتب : صراع العقول على الرقعة !!

في عالم يتسارع فيه كل شيء، وتسيطر فيه التكنولوجيا السريعة على حياتنا، لا تزال رقعة مكونة من 64 مربعاً باللونين الأبيض والأسود تحافظ على مكانتها كأرقى رياضة ذهنية عرفتها البشرية. الشطرنج، تلك اللعبة التي يصفها البعض بأنها “فن”، والبعض الآخر بأنها “عِلم”، هي في الحقيقة صالة ألعاب رياضية متكاملة لعقلك.
قد يبدو الشطرنج للمراقب الخارجي مجرد تحريك لقطع خشبية بصمت مطبق، ولكن في عقول اللاعبين، تدور معارك طاحنة، وتُرسم خطط استراتيجية تضاهي أعقد الخطط العسكرية. فما الذي يجعل هذه اللعبة القديمة ضرورة ملحة في عصرنا الحديث؟
- الشطرنج: الچيم العقلي (Mental Gym)
مثلما تحتاج العضلات إلى التمارين لتبقى قوية، يحتاج الدماغ إلى تحديات مستمرة ليحافظ على لياقته. أثبتت الدراسات العلمية أن ممارسة الشطرنج بانتظام تعمل على:
- تحسين الذاكرة: يتطلب الشطرنج تذكر الحركات السابقة وأنماط اللعب المختلفة، مما يعزز الذاكرة قصيرة وطويلة المدى.
- الوقاية من أمراض الشيخوخة: يُنصح بالشطرنج كنشاط ذهني فعال لتأخير أو تقليل فرص الإصابة بمرض الزهايمر والخرف، حيث يبقي الدماغ في حالة نشاط دائم.
- تنمية التفكير الإبداعي: الشطرنج ليس مجرد حفظ، بل هو بحث دائم عن حلول غير تقليدية للخروج من مأزق أو لمباغتة الخصم.
- مدرسة لتعليم مهارات الحياة
تتجاوز فوائد الشطرنج حدود الرقعة لتنعكس بشكل مباشر على شخصية اللاعب وطريقة إدارته لحياته اليومية. الشطرنج يعلمنا دروساً قاسية ولكنها ضرورية:
- اتخاذ القرار تحت الضغط: في الشطرنج، أنت مجبر على اتخاذ قرار في وقت محدد، مع تحمل مسؤولية هذا القرار بالكامل. لا يوجد مكان للحظ؛ أنت نتاج قراراتك.
- الصبر والتخطيط المستقبلي: يعلمك الشطرنج ألا تندفع وراء المكسب السريع (أكل قطعة مميزة مثلاً) إذا كان ذلك سيؤدي لخسارة المعركة لاحقاً. إنه فن التفكير لعدة نقلات وخطوات وتفريعات للأمام.
- تقبل الخسارة بروح رياضية: لا يوجد لاعب شطرنج لم يخسر. اللعبة تعلمك أن الخسارة هي مجرد درس، وفرصة لتحليل الأخطاء والعودة بشكل أقوى.
- لغة عالمية مشتركة
الشطرنج هو اللغة الوحيدة التي لا تحتاج إلى مترجم. يمكنك أن تلعب مع شخص من ثقافة مختلفة تماماً، ولا تتحدثان اللغة نفسها، ومع ذلك تتواصلان بعمق عبر الرقعة. هذا الجانب الاجتماعي يجعل الشطرنج أداة قوية لكسر الجليد وبناء جسور التواصل بين البشر.
كلمة أخيرة
إن دمج الشطرنج في روتيننا الأسبوعي، أو حتى تشجيع أطفالنا على تعلمه بدلاً من قضاء ساعات طويلة أمام شاشات الهواتف، هو استثمار حقيقي في “رأس المال البشري”. الشطرنج ليس مجرد لعبة للأذكياء أو العباقرة كما يشاع، بل هو الأداة التي تصنع الأذكياء.
في المرة القادمة التي ترى فيها رقعة شطرنج، لا تنظر إليها كخشب وجماد، بل انظر إليها كميدان تتطور فيه العقول، وتُصقل فيه الشخصيات.
شريف طه الخولى –