مقالات

حين تمضي القوافل وتنبح الكلاب

الكاتبة الجزائرية مريم عرجون

أُريدُ أنْ أرى ما وراءَ الأشياء، أُريدُ أنْ أُحاورَ الصمتَ كما أُحاورُ نفسي، وَلكِنَّ العيونَ مُقيَّدةٌ بالحدودِ، وَالأيامُ مُقيَّدةٌ باللاوقت، وَالصَّوتُ يختنقُ قبل أنْ يولدَ، وَأظلُّ أبحثُ عن شيءٍ لا يُرى، شيءٍ يزنُ قلبي قبل أنْ يزنَ العالم، شيءٍ يَصمدُ حين ينهار كلُّ شيءٍ حولي، وَفي صدري فتيلُ وطنٍ إنْ أُصيبَ بالانكسارِ، انصَدَعَتْ فيه ملايينُ المشاهدِ، ملايينُ الدروبِ، ملايينُ الوجوهِ التي لم تعدْ تُرى، وَكلُّ ما في الداخلِ يصرخُ، وَكلُّ ما في الخارجِ يبتسمُ بلا معنى، وَالزمنُ يمرُّ كما لو أنه يختبرُ الثباتَ فينا، وَالثقلُ الذي أحملهُ ليس لي وحدي، إنما لكلِّ ما صمدَ قبلي، لكلِّ ما بَقِيَ صامتًا، لكلِّ ما رفضَ الانحناء، وَالريحُ تعصفُ بالذاكرةِ، وَكلُّ ركنٍ يروي قصةَ صبرٍ صامت، وَكلُّ فكرةٍ تتراكمُ كجدارٍ لا يعرف الانهيار، وَهنا أقفُ، أراقبُ الحافةَ، أراقبُ كلَّ من يظنُّ أنَّ الصمتَ ضعفٌ، وكلَّ من يظنُّ أنَّ الصلابةَ صوتٌ، وَأعرفُ أنَّ القوةَ تُولدُ في الظلامِ، وَأنَّ السيادةَ تُزرعُ في العمقِ، وَأنَّ ما يُرى لا يُخبرُ إلا بالهشاشةِ، وَأنَّ ما لا يُرى هو الحياةُ، وَأنَّ ما يُختبرُ في الصمتِ هو البقاءُ، وَأنَّ كلَّ محاولةٍ لتقويضِ هذا العمقِ تصنعُ منَّا رجالًا ونساءً لا يعرفون الانحناء، وَلا يعرفون الرضوخ، وَلا يعرفون الخوف.
وطني ليس مجرد صورة تُلتقط على شاشات العابثين، ولا كلمة تُرَسل لتسقط في فراغٍ بارد، وطني هو الثقل الذي نحمله في صدورنا حين يتربّص بنا العالم، هو الحقيقة التي تبقى حين يحاول الآخرون رسم وهم مكانها، هو القرار الذي يقف صامتًا حين يُستفز العقل، وهو الصبر الذي يعرف أن الزمن ليس عدالة فورية، بل امتحان طويل، رحلة ممتدة من التجربة إلى الوعي، وطنٌ لم يُبنَ بالاستعراض ولا بالمظاهر، وطنٌ صُنع في الأعماق، في الاختبارات، في الانكسارات التي تحولت إلى قوة، في اللحظات التي علمتنا أن الصمود أعمق من الكلام، وأن القوة ليست في الصوت، بل في الثبات، وأن السيادة ليست في الإشعارات، بل في القرار الذي لا يُقاس بمؤشرات وهمية ولا بحملات مزيفة، وطنٌ يُربّى في المعاناة، ويُختبر في الصبر، ويُصقل في الصمود، وطنٌ يعرف أن كل من يسعى إلى إسقاطه بكلمة أو صورة أو منشور، سيكتشف عاجلًا أن التحدي أعمق من أن يُقهر، وأن الصبر الذي يحمله أبناؤه أقوى من كل مؤامرة.
وطني الذي يُراد له أن يبدو ضعيفًا اليوم ليس إلا تاريخًا متراكمًا من الامتحانات، تاريخًا صاغه الألم، ووشّمه الصبر، وبناه التحدي، وغطاه الإرادة، وطنٌ لم ينحني أمام الحصار، ولم يخضع للتهديد، ولم يُكسر أمام من أراد له أن يصير وهمًا، وطنٌ أطفئت شموعه بالدماء، وحُفظ كيانه في لحظات المحن، ورفض الانحناء أمام كل محاولة للنيل من استقلاله، وطنٌ يُهاجم اليوم عبر الصور والمقالات والمواقع، وطنٌ يُساق إليه الضعف على أنه حقيقة، وطنٌ يُختصر وجوده في ضحكات وسباب على شاشات افتراضية، وطنٌ يقف في وجه الزيف، وطنٌ يصمد حين تزداد الأصوات، وطنٌ يعلم أن القوة ليست صراخًا، ولا صلابة تتظاهر بها، بل هي القدرة على الاحتمال الطويل، على الاستمرار حين يختلط الغضب بالغبن، على الحماية حين يبدو كل شيء عابثًا، على الوقوف حين يكون السقوط أسهل، والقوة الحقيقية هي الصبر الذي يتحوّل إلى فعل، والفعل الذي لا يُرى إلا عند الحاجة، والسيادة التي تحمي نفسها بلا إعلان، والوعي الذي جعل من التاريخ حصنًا لا يُخترق، الوطن الذي يظل واقفًا رغم كل الرياح، رغم كل العواصف، رغم كل محاولات الإضعاف، رغم كل المؤامرات والوساوس والشكوك.
الأوطان التي تُنجب رجالها من رحم الصبر لا تُفاجأ بالخذلان، ولا تخاف من النهب الرمزي، ولا تُخدّرها الصور المبتورة، فوطني لا يحتاج إلى شهادة من أحد، ولا إلى الدفاع عن نفسه أمام من يربط القوة بالضجيج، فهو يقف دائمًا على حافة الامتحان، ويمضي بلا كلل، ويختبر كل من حاول إضعافه لتعرف من يستحق أن يسير معه، ومن يظل على الهامش يتفرج على صموده، وطني اليوم ليس أقل قوة من الأمس، ولا أضعف من التحديات، فهو ثابت في قراره، حاضر في وعي شعبه، مستمر في بناء مؤسساته، صامد أمام حملات التشويه، صامد أمام كل محاولات تصويره دولة هشة، لأنه يعرف أن من يركض وراء الصورة لن يقدر على الحقيقة، وأن من يظن أن الشعب يُخدَّر بالكلام لن يسيطر على الإرادة، وأن كل من أراد أن يقيسه بعدد الإشعارات أو المنشورات سيكتشف أن وطني يتجاوز كل مؤشرات وهم القوة والضعف، وأن الصمود الحقيقي لا يُقاس إلا بمن يظل واقفًا حين يغدو الانحناء أسهل، وبمن يحمي المعنى حين يحاول الآخرون تفكيكه، وبمن يعرف أن الزمن لا يحتفظ إلا بما يثبت، وأن الكرامة التي صاغها التاريخ بالدم والصبر لا تُمحى بمنشور ولا تُقهر بكلمة.
هذا وطني، لا يحتاج إلى الإعلان عن نفسه، ولا إلى الدفاع بالتصريحات، ولا إلى الصراخ في وجه من يحاولون إضعافه، لأنه حاضر في وجوده، متجذر في التاريخ، حيوي في المستقبل، لا يُخدّره ضجيج ولا تُقهر إرادته حملة، وطني الذي يُظنّ أنه ضعيف اليوم هو ذاته الذي يُنجب الأسود، رجالًا يعرفون أن المجد ليس في الصوت، بل في القدرة على الاحتمال، وأن السيادة ليست في الاستعراض، بل في القرار الذي يُتخذ بلا مراعاة للضجيج، وأن الكرامة ليست شعارًا يُرفع، بل موقف يُمارس، وأن وطني الذي يمضي ويستمر، رغم كل الحملات، رغم كل الصور، رغم كل محاولات التشويه، هو وطني الذي يستحق كل احترام، والذي سيظل واقفًا حين يتراجع الجميع، والذي سيظل رمزًا للثبات، وللقوة، وللصمود، وللكرامة، وللحرية، وللسيادة، ولن يعرف الضعف طريقه إليه أبدًا، وطني الذي يُعلّم أن الصبر أقوى من الصوت، وأن الفعل الصامت أشد وقعًا من كل ضجيج، وأن الصمود في لحظة الانكسار أعظم من كل الانتصارات الزائفة، وأن الإرادة التي لا تُقهر هي وحدها التي تبني الأمم، وأن من يقيس القوة بعدد الكلمات لا يعرف قيمة الوطن ولا ثقل التضحيات، وأن من يظن أن التشويه يغيّر الحقيقة لم يقرأ التاريخ، ولم يشعر بالوزن الذي نحمله في صدورنا، ولم يعرف أن وطني قائم قبل الصور وقائم بعد الكلمات، وأنه سيبقى قائمًا حين تغدو كل الأصوات صدى فارغًا، حين تندثر كل الحيل، حين تتلاشى كل الإشاعات، وطني الذي لا يُهزم، وطني الذي يُعلّم الثبات، وطني الذي يمضي، وطني الذي يظل صامدًا، وطني الذي لا يعرف الضعف طريقه إليه أبدًا، وطني الذي يظل حاملاً الثقل، حاملًا التاريخ، حاملًا الحرية، حاملًا الكرامة، حاملًا الإرادة، وطني الذي لن يسقط، وطني الذي سيظل رمزًا لكل ما هو أصيل، وطني الذي سيظل حاضرًا حين يتلاشى كل صوت، وطني الذي سيظل ضوءًا في الظلام، وطني الذي سيظل مرساة لكل قلب يعرف قيمة الوطن، وطني الذي سيظل مدرسةً للصبر، وطني الذي سيظل رسالة لكل من ينسى معنى الصمود، وطني الذي سيظل درسًا لكل من يظن أن الكرامة تُقاس بعدد الكلمات، وطني الذي سيظل مثالًا لكل من يريد أن يعرف أن القوة الحقيقية ليست في الصراخ، بل في الثبات، وطني الذي سيظل حاضرًا حين يغدو الانكسار أصعب من الصمود، وطني الذي سيظل قائمًا حين ينهار كل وهم، وطني الذي سيظل صامدًا، وطني الذي سيظل حيًّا، وطني الذي لا يعرف طريق الضعف أبدًا، وطني الذي سيظل أقوى من كل تحدٍ، وطني الذي سيظل الحصن الأخير لكل معنى، وطني الذي سيظل حاضرًا في القلوب قبل أن يكون حاضرًا في الصور، وطني الذي سيظل حاضرًا في التاريخ قبل أن يُذكر في المنشورات، وطني الذي سيظل حاضرًا حين تغدو كل الكلمات بلا وزن، وطني الذي سيظل حاضرًا حين يندثر كل الزيف، وطني الذي سيظل حاضرًا حين يغدو كل صخب العالم فارغًا، وطني الذي سيظل حاضرًا لأنه وطني، وطني لأنه الثقل، وطني لأنه الصبر، وطني لأنه الفعل، وطني لأنه القرار، وطني لأنه الإرادة، وطني لأنه الحياة، وطني لأنه البقاء، وطني لأنه الصمود، وطني لأنه الثبات، وطني لأنه الكرامة، وطني لأنه القوة، وطني لأنه كل ما يعلو فوق كل كلمات العالم، وطني لأنه وطني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى