يوسف السباح شهيد الفساد والإهمال… كلمة أخيرة قبل أن يقول القضاء كلمته

كتبت .. د/ ايمان سكين
في القضايا الكبرى، ليست الكلمة الأخيرة للقضاء وحده، بل للضمير العام أيضاً.
ما حدث للطفل يوسف محمد أحمد عبد الملك لم يكن مجرد حادث غرق، بل اختبار صارخ لمنظومة كان واجبها الأول حماية طفل دخل المسبح حاملاً حلم الفوز بالبطولة، فخرج منه بطلاً في قائمة ضحايا الإهمال والفساد.
يوسف، فتى في الثانية عشرة من عمره، لم يكن مجرد رياضي صغير، بل مشروع بطل يحمل على كتفيه آمال عائلته ووطنه. دقائق قليلة حوّلت التصفيق والفرح إلى صمت قاتل انتهى بالموت.

أولاً: الإهمال البصري الذي أودى بحياة يوسف
رغم وجود عشرة حكام ومنقذين وكاميرات مراقبة، لم يُرصد يوسف وهو يغرق. طفل آخر صرخ: “أرى طفلاً تحت الماء!”، لكن لم يُصدّقوه، وواحدة من الحكام قالت له: “بيتهيالك”. خمس دقائق مرت تحت الماء، تكشف فجوة هائلة بين المسؤولية الرسمية والواجب الإنساني.
ثانياً: غياب المواصفات والمعايير الدولية
إضاءة المسبح كانت أقل من نصف الحد الأدنى الدولي (1000–1200 لوكس)، مما جعل رؤية أي جسم تحت الماء شبه مستحيلة. غياب كاميرات تحت الماء، إشارات إنذار، وخطوط أمان واضحة زاد صعوبة التدخل السريع، وجعل الفشل في البنية التحتية جزءًا من سلسلة إخفاقات شملت الفشل البصري والإهمال البشري.

ثالثًا: فريق طبي غير مؤهل وإسعاف خالٍ من أي تجهيز
على الرغم من وجود منقذين وطبيب مختص وسيارة إسعاف، تعامل الفريق الطبي مع يوسف تأخر وبطريقة خاطئة. جهاز الإنعاش القلبي (AED) استُخدم لفترة قصيرة جدًا، بينما البروتوكول الطبي ينص على تشغيله لمدة لا تقل عن 30 دقيقة إذا لم يعد النبض.
عربة الإسعاف لم تكن مجهزة بأجهزة إنقاذ أساسية، ولم يتم توفير جهاز تنفس اصطناعي أو معدات للتنبيب (Intubation)، مما جعل كل جهود الإنقاذ شبه بلا تأثير وزاد خطر الوفاة أو تلف الدماغ.
رابعاً: الفشل القانوني والاتهامات الظالمة
القانون المصري يلزم بإجراء فحوصات طبية شاملة قبل البطولات الرياضية، إلا أن ملف يوسف كان خالياً منها، ما يكشف ضعف تطبيق القوانين والرقابة.
الصدمة الأكبر كانت اتهام البعض يوسف بتعاطي المنشطات، وهو ادعاء نفاه تقرير الطب الشرعي رسميًا، مؤكداً خلو جسده من أي مواد منشطة، وأن سبب الوفاة كان إسفكسيا الغرق فقط. هذا الادعاء زاد ألم الأسرة وأبرز إخفاق المنظومة القانونية والرقابية.
سادساً: الإهمال الممنهج… الهيئات الرياضية تحت طائلة القانون الدولي
إلى جانب الإخفاق المحلي، هناك إطار دولي يحمي الرياضيين. مبادئ مثل Safe Sport International Declaration تؤكد أن سلامة الرياضيين يجب أن تكون الاعتبار الأول، وأن الاتحادات والهيئات مسؤولة عن تنفيذ سياسات صارمة للسلامة والتدريب والإشراف المستمر (Safe Sport International, 2023).
غياب المواصفات الدولية أو أي إخفاق في التدابير الوقائية يجعل الاتحادات الوطنية، منظمي البطولات، ومسؤولي المنشآت الرياضية مسؤولين قانونياً، ويمكن مساءلتهم أمام القضاء المحلي والدولي (Chambers Practice Guides, 2023).
إذا كانوا يجهلون القوانين، فكيف أصبحوا أهلاً لإدارة حياة الأطفال؟ هذا الجهل يحوّل الإهمال من تقصير عابر إلى إخفاق ممنهج يهدد حياة الأطفال والمشاركين.
خطوات عاجلة لإصلاح المنظومة
- تجميد تراخيص أي منشأة رياضية غير مطابقة للمعايير الدولية فورًا.
- إلزام جميع المشرفين والمنقذين بالحصول على شهادات دولية معتمدة في الإنقاذ والإسعاف.
- تركيب كاميرات تحت الماء مزودة بأنظمة إنذار ذكية تعتمد على التكنولوجيا الحديثة.
- نشر تقارير دورية وشفافة عن سلامة المنشآت الرياضية للرأي العام.
- مساءلة صارمة للقيادات التي تسمح بوجود غير المؤهلين في مواقع المسؤولية، بما في ذلك مسؤولي الاتحادات والأندية، وإزاحتهم فوراً إذا ثبت تقصيرهم.
- تطبيق إجراءات رادعة لمنع تكرار الإهمال، مع متابعة دورية لضمان الالتزام بالقوانين والمعايير الدولية.
يوسف رحل، لكن درسه يجب أن يبقى حياً في ضمائرنا وممارساتنا. الرياضة التي لا تحمي أطفالها ليست رياضة، بل مأساة مؤجلة تنتظر الضحية التالية.
كم من يوسف آخر يجب أن نفقد قبل أن نستفيق؟
هذه رسالة إنسانية ومهنية تؤكد أن قيمة الرياضة تُقاس أولًا بقدرتها على حماية من يمارسونها.







