أحمد أبو الغيط يوثق شهادته عن أيام الحرب والسلام فى ندوة بمعرض الكتاب

قال الأمين العام لجامعة الدول العربية، السفير أحمد أبو الغيط، إن تجربته الممتدة داخل مؤسسات الدولة المصرية، منذ هزيمة يونيو 1967 وحتى مفاوضات السلام، دفعته إلى توثيق ما عاشه وشهده عن قرب، من خلال كتابيّه الجديدين «شاهد على الحرب والسلام» و«شهادتي»، معتبرًا أن تسجيل اللحظة كان بالنسبة له «قدرًا مهنيًا» لا يمكن الفكاك منه.
وقال «أبو الغيط»، خلال مناقشة كتاب «شاهد على الحرب والسلام»، و«شهادتي»، في قاعة «كاتب وكتاب»، ضمن فعاليات معرض القاهرة الدولي للكتاب، في نسخته الـ٥٧، اليوم، أنه مع انتهاء مهمته في مكتب محمد إسماعيل (مستشار الأمن القومي المصري وقتها)، كان قد عاصر كامل فترة الحرب وتداعياتها القاسية، مرورًا بمرحلة الإحباط الوطني، ثم التحولات الكبرى التي شهدتها الدولة المصرية لاحقًا.
وأضاف الأمين العام لجامعة الدول العربية: «كنت أحرص على تسجيل كل شيء في مفكرة صغيرة لا تفارقني، لأنني كنت مطلعًا على تفاصيل لا يعرفها كثيرون، في وقت امتلأت فيه الروايات الإسرائيلية والأمريكية بالإدعاءات، بينما التزم الجانب المصري الصمت في معظم الأحيان».
وبعد انتهاء خدمته وزيرًا للخارجية، اتخذ قرارًا واعيًا بكتابة تجربته كاملة، معتمدًا على ما دوّنه خلال سنوات طويلة، وفق ما قاله، موضحًا أن كتابه «شاهد على الحرب» جاء ليقدم سردًا دقيقًا ومتكاملًا لقصة حرب أكتوبر، بكل ما تحمله من تعقيد وإنسانية ومصداقية.
وأفاد بأن أسلوبه في العمل اعتمد منذ البداية على التدوين المنهجي، مستلهمًا ذلك من قراءاته المتعمقة لتجارب القادة وكيفية إدارتهم للأزمات، مشيرًا إلى أنه لم يكن قائدًا عسكريًا، لكنه آمن بأن الالتزام بالتوثيق هو جزء من صناعة القرار.
وواصل: «بهذا الأسلوب تراكمت لدي موسوعة من المعلومات، شملت زمن الحرب، وفترة السلام، وسنوات المفاوضات الطويلة، بكل ما صاحبها من سهر ومعاناة وإحساس جسيم بالمسؤولية».
وأعتبر السفير أحمد أبو الغيط أن كتابة هذه الشهادة ليست ترفًا شخصيًا، بل واجبًا تجاه الأجيال الجديدة من الدبلوماسيين، مضيفًا: «لا يمكن لمسؤول قضى عشرات السنين في خدمة بلده أن يغادر دون أن ينقل خبرته. أقل ما يمكن أن تقدمه هذه التجربة هو أن تكون دليلًا للدبلوماسي الصاعد، تشرح له كيف يبنى المسؤول القادر، وكيف تتشكل الفكرة، وكيف يتعلم الإنسان من التجربة».
وتطرق «أبو الغيط» إلى طبيعة العلاقات الدولية التي تعامل معها، مؤكدًا أن العلاقات المصرية–الأمريكية، على سبيل المثال، تمتد لأكثر من 150 عامًا، وكذلك العلاقات مع الاتحاد السوفيتي سابقًا، لافتًا إلى حرصه على توثيق هذه الملفات من موقع الموظف الذي عاش التفاصيل، وليس من موقع التنظير.
وكشف أن خروجه من وزارة الخارجية تزامن مع بدايات التحول التكنولوجي، حيث سلمه مدير مكتبه وحدة تخزين تضم أرشيف 7 سنوات كاملة من عمله كوزير، وكانت «تحتوي على كل ما قمت به تقريبًا، حتى أبسط الملاحظات اليومية»، مضيفًا: «هذا الأرشيف الرقمي، إلى جانب نحو 1000 صفحة مكتوبة بخط اليد، شكّل المادة الخام التي اخترت منها ما كشفته للرأي العام ضمن شهادتي».
وشدد على أن الدافع الحقيقي لبدء الكتابة جاء بتشجيع مباشر من زوجته، مضيفًا: «قيل لي: اكتب ما رأيت، أنت تمتلك قدرة على الكتابة، وذاكرة قوية، ولديك مذكرات موثقة لكل شيء».
وأضاف: «تلك الكلمات كانت حاسمة، فقررت العودة إلى دفاتري وملاحظاتي التي دونت فيها تفاصيل الأحداث على مدار سنوات طويلة، وأغلقت على نفسي باب مكتبي، وبدأ رحلة كتابة استمرت قرابة 9 أشهر متواصلة حتى اكتمل المشروع».
ونبه إلى أن كتابه «شاهد على الحرب» نُشر في صورة فصول صحفية بلغ عددها نحو 15 فصلًا، ظهرت تباعًا في جريدة «الأهرام»، خلال أعوام 2009 و2010 و2011، وتناولت قضايا الحرب والسلام من منظور شاهد عايش التفاصيل من الداخل.
وكشف «أبو الغيط» أن أحد أهم دوافعه الإنسانية للكتابة كان رحيل صديق عمره وشريكه في التجربة، أحمد السيد، الذي وصفه بـ«الصديق العزيز الذي رحل دون أن يترك شهادته مكتوبة». وأضاف الأمين العام لجامعة الدول العربية: «كنا شركاء في كل شيء، أو ربما كنت أنا شريكه الأصغر سنًا، ومع أحمد ماهر كنا معًا داخل مكتب مستشار الأمن القومي، شهودًا على كل الأحداث المفصلية».
وواصل: «نحن الثلاثة كنا حاضرين في لحظات مصيرية، عملنا مع محمد إسماعيل، ثم مع محمد إبراهيم كامل، وزير الخارجية الأسبق، وشاركنا في ملفات شديدة الحساسية، بما في ذلك المفاوضات والاتصالات المرتبطة بإسرائيل. كنا نتحرك معًا، نعمل معًا، ونتشارك التفاصيل الدقيقة، حتى إننا كنا نبيت في مكان واحد خلال بعض المراحل الحرجة».
وأكد «أبو الغيط» أن وفاة صديقه المفاجئة دون أن يدون تجربته، تركت لديه شعورًا ثقيلًا بالمسؤولية، مضيفًا: «عندما رحل، شعرت أن من واجبي ألا تذهب هذه الشهادة هباءً، إذا كان قد غادر دون أن يكتب، فعلى الأقل أسلم بلدي جزءًا من الحقيقة التي عشناها».







