مقالات

برقيات.. جيهان عبد الرحمن تكتب ..ألف حاجة غلط

في عام 1983 عرض التلفزيون المصري مسلسل «في حاجة غلط»، الذي رصد تشققات المجتمع من خلال أسرة متوسطة، وكانت جملته الشهيرة تختصر كل أزمة: «في حاجة غلط». يومها كان الخلل واضح يمكن رؤيته وتسميته ومناقشته وتحليل أسبابه . أما اليوم، وبعد أكثر من أربع عقود، لم يعد الخلل تفصيلة في المشهد، بل أصبح هو كل المشهد.
ولم يعد السؤال ما الذي يحدث؟ بل كيف أصبح ما يحدث عاديًا إلى هذا الحد؟
جرائم الأسرة التي تتكرر ليست مجرد وقائع جنائية، بل مرايا لانهيار أعمق.
في القليوبية أب يقتل أبناؤه الأربعة انتقامًا من زوجتة التي طالبت بحقها في الطلاق ويمثل بالجثامين ويصورهم ليحرق قلبها علي حد قوله.
بالأمس فقط في الإسكندرية أب يستدرج أبناؤه لمكان مهجور ويخنقهم بدم بارد لا ينصت لتوسلاتهم، ثم يتضح من التحقيق أنه قتل أمهم منذ عام مضى.

هناك أب يقيد ابنته الشابة بلا طعام لمدة عام ويتركها لتتعفن احشاؤها حتى الموت.
أبناء يقتلون أمهاتهم تحت تأثير المخدرات، أقارب يذبحون أرحامهم طمعا في خاتم أو قرط.

هذه الجرائم لا تعبّر فقط عن قسوة فردية، بل عن تفكك مفهوم الأبوة ذاته، وتحول البيت من مأوى إلى ساحة انتقام.

بحثت في الظاهرة لأجد عالم الاجتماع إميل دوركايم سمّى هذه الحالة «الأنومي»؛ لحظة انهيار المعايير، حين تفقد القيم قدرتها على الضبط، فيتحرك الإنسان بلا بوصلة أخلاقية.
ما نراه اليوم هو مجتمع يعيش هذا الفراغ: لا خطوط حمراء واضحة، ولا رادع معنوي، ولا إجماع على ما يجب أن يكون محرّمًا قبل أن يكون مجرمًا، رغم أننا أمة القران ومهد الرسالات وجميع الأديان فيها مقدسة وتؤدي مناسكها في المساجد والكنائس وجميعها تخاطب الأسرة وتحث علي الاخلاق والقيم.

يقال إن الجريمة قديمة منذ قابيل وهابيل، لكن القرآن لم يروِ الحكاية بوصفها حادثة قتل فقط، بل بوصفها خللًا داخليًا:
«فطوّعت له نفسه قتل أخيه فقتله».
الآية لا تشرح الجريمة، بل تفضح النفس حين تفقد ميزانها. وحين يختل الميزان الداخلي، يصبح العنف نتيجة متوقعة لا استثناءً صادمًا.
وهذا الفيلسوف نيتشه حذّر من «موت القيم»، حين تفقد المفاهيم الأخلاقية معناها، ويتحول الخير والشر إلى كلمات مستهلكة.
الجديد اليوم أن العنف لم يعد فعل خفي، بل صار رسالة واستعراض، كأن القتل لم يعد نهاية للفعل، بل بدايته.
هذا الانفلات لا يظهر فقط في الجرائم الكبرى، بل في تفاصيل الحياة اليومية: عنف لغوي فادح، نقاشات مشحونة بالإهانة، أطفال يحملون غضب أكبر من أعمارهم، مراهقون يتباهون بإيذاء حيوان أعزل و يمارس الشر بلا تفكير وگانه شيء عادي.

الصوفية الإسلامية ذهبت أبعد من توصيف الفعل، وفتّشت في الداخل. الإمام الغزالي رأى أن فساد السلوك يبدأ من قسوة القلب، وأن القلب إذا خلا من المحاسبة امتلأ بالظلم وفي إحياء علوم الدين، لا يُدان الفعل وحده، بل الغفلة التي سبقته؛ الغفلة عن معنى الرحمة، وعن قيمة النفس.
ورغم وجود عشرات المراكز النفسية ومنصات العلاج، ومراكز بحوث اجتماعية و جنائية يبدو أنها جميعا لا تصنع أثر فهي أرقام وتقارير وأبحاث بلا حياه، تشير الأرقام إلى 25 مليون مريض نفسي منهم 0.4% فقط من يتلقون العلاج باهظ التكلفة من حيث الأصل، ولا يوجد دعم حقيقي لهم.
ورغم وجود عقوبات قانونية فإن الأمر يزداد سوءا ووحشية.
إلي متي تظل المعرفة حبيسة الأدراج؟ و يترك الغضب دون تفريغ، والألم دون احتواء، وقتها يتحول الداخل إلى قنبلة موقوتة.
الخطر الحقيقي ليس في كثرة الجرائم، بل في اعتيادها. في أن تمر الفاجعة دون أن تهزّنا، و الدم يصبح رقم، والقتل خبر ، والصدمة فقرة عابرة.
القرآن عبر عن هذا المعنى حين قال:
«كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى»؛
الطغيان ليس قوة، بل شعور زائف بالاكتفاء عن القيم. نحن لا نعيش زمن الجرائم، بل زمن اختلال الميزان. فلم يعد السؤال: ماذا حدث؟ بل السؤال الأخطر: كيف أصبح هذا ممكنا ؟ والسؤال الأكثر رعبا كم بقي قبل السقوط الكامل؟ الأمر جد خطير.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى