الحق في النسيان الرقمي

بقلم دكتورة / ريهام فتحى فهمى
قراءة تحليلية في ضوء الحكم الصادر من محكمة العدل الأوروبية بتاريخ 13 مايو 2014 (C-131/12)
أدى الانتشار الواسع للتقنيات الرقمية ومحركات البحث إلى نشوء ذاكرة رقمية شبه دائمة، قادرة على تخزين الوقائع وإعادة استحضارها فى أى وقت، وقد أفرز هذا الواقع إشكاليات قانونية عميقة، خاصة عندما تتحول هذه الذاكرة إلى أداة تمسّ بالحياة الخاصة للأفراد وسمعتهم وكرامتهم.
وفي هذا السياق، يعد حكم محكمة العدل الأوروبية الصادر بتاريخ 13 مايو 2014 في القضية رقم C-131/12 (Google Spain) حكماً تأسيساً هاماً ، إذ أسّس لمبدأ قانوني جديد عُرف بـ«الحق في النسيان الرقمي»، واضعًا بذلك حدودًا قانونية للذاكرة الرقمية في مواجهة حقوق الأفراد الأساسية.
والذي تم تكريسه لاحقًا بنص تشريعي صريح من خلال المادة (17) من اللائحة العامة لحماية البيانات (GDPR). والتى تعتبر الإطار التشريعي الأوروبي الأبرز لحماية البيانات الشخصية، والتى دخلت حيّز النفاذ سنة 2018، والتى كرّست مبدأ سيادة الفرد على بياناته الشخصية، واضعةً التزامات صارمة على الجهات المتحكمة في معالجتها.
أولًا: السياق العام للحكم وأهميته القانونية
تنبع أهمية حكم محكمة العدل الأوروبية من كونه أول اجتهاد قضائي يقرّ صراحةً بحق الفرد في التحكم في ماضيه الرقمي، من خلال إلزام محركات البحث بإزالة روابط إلكترونية تتعلق بمعلومات شخصية أصبحت غير ملائمة أو غير مبررة، رغم كونها صحيحة من حيث الأصل.
وبذلك، لم يعد الضرر الرقمي مرتبطًا بعدم صحة المعلومة، وإنما بعدم مشروعية استمرار تداولها في ظل زوال أسباب نشرها.
ثانيًا: وقائع القضية وإشكالاتها القانونية
تتلخص وقائع القضية في تقدم المواطن الإسباني ماريو كوستيخا غونزاليس بشكوى أمام الوكالة الإسبانية لحماية معلومات شخصية عنه، مطالبًا بحذف روابط إلكترونية تظهر عند البحث باسمه، والتى تعلقت بإجراءات بيع بالمزاد العلني لعقار مملوك له بسبب مديونيات مالية قديمة، زالت آثارها القانونية.
وقد استجابت الوكالة لطلبه، معتبرة أن استمرار ظهور هذه الروابط يمسّ بحياته الخاصة، غير أن شركة Google طعنت في القرار، محتجة بكونها مجرد وسيط تقني محايد.
وأمام تعقّد الإشكال القانوني، أحالت المحكمة الإسبانية أسئلة تمهيدية إلى محكمة العدل الأوروبية تمحورت حول:
• تحديد صفة محرك البحث القانونية
• نطاق مسؤوليته عن معالجة البيانات
• كيفية الموازنة بين الحق في الخصوصية وحق الجمهور في المعرفة
ثالثًا: المبادىء القانونية التي ارستها محكمة العدل الأوروبية
حسمت محكمة العدل الأوروبية الجدل القائم، وقررت أن محرك البحث لا يقتصر دوره على الوساطة التقنية، بل يُعدّ «متحكمًا في المعطيات الشخصية»، لأنه يقوم بجمع البيانات وفهرستها وترتيبها وإتاحتها للجمهور وفق خوارزميات خاصة.
كما أكدت المحكمة أن معالجة البيانات من قبل محرك البحث قد تُحدث أثرًا مستقلاً وخطيرًا على الحياة الخاصة، يفوق أحيانًا أثر نشر المعلومة في مصدرها الأصلي، وهو ما يبرر إخضاعه لالتزامات قانونية مستقلة.
رابعًا: تكريس الحق في النسيان كقيد على الذاكرة الرقمية
أرست المحكمة من خلال هذا الحكم مبدأً مفاده أن للأفراد الحق في طلب إزالة روابط تؤدي إلى معلومات تمسّ بحياتهم الخاصة، متى كانت هذه المعلومات:
• غير ملائمة
• أو لم تعد ضرورية
• أو تجاوزها الزمن
• ولا تخدم مصلحة عامة راجحة
وبذلك، وضعت المحكمة حدًا لهيمنة الذاكرة الرقمية، وأقرت أن استمرار حفظ الماضي ونشره دون ضابط قد يشكل مساسًا غير مشروع بالكرامة الإنسانية.
خامسًا: الموازنة بين الخصوصية وحق الجمهور في المعرفة
لم تُطلق المحكمة الحق في النسيان على إطلاقه، بل أخضعته لمعيار الموازنة ، خاصة في الحالات التي يكون فيها الشخص المعني شخصية عامة، أو تكون المعلومة ذات أهمية خاصة للمصلحة العامة.
ومن ثم، فإن الحكم لا يُعد دعوة لمحو التاريخ، بل لتقنين استحضاره رقميًا، بما يحقق التوازن بين الشفافية من جهة، وحماية الحقوق الفردية من جهة أخرى.
سادسًا: قيمة الحكم في النقاش القانوني الوطني
يكتسب هذا الحكم أهمية خاصة في إطار النقاش القانونى حيث يطرح تساؤلات جوهرية حول مدى كفاية الإطار التشريعي الوطني لحماية البيانات الشخصية في مواجهة التحديات الرقمية الحديثة، وحول إمكانية استلهام الاجتهاد القضائي الأوروبي في تكريس مفهوم الكرامة الرقمية للأفراد.
كما يفتح الباب أمام القضاء الوطني للاضطلاع بدور إنشائي في حماية الحقوق الرقمية، أسوة بمحكمة العدل الأوروبية.
وفى الختام
أسّس حكم محكمة العدل الأوروبية في قضية Google Spain لمرحلة جديدة في تنظيم العلاقة بين الذاكرة الرقمية وحقوق الأفراد، مؤكّدًا أن التطور التكنولوجي لا يمكن أن يكون على حساب الكرامة الإنسانية. ويظل الحق في النسيان الرقمي أحد أهم الآليات القانونية الكفيلة بإعادة التوازن بين ماضٍ رقمي لا ينسى، وإنسان يحتاج بطبيعته إلى فرصة للنسيان
ولكن يبقى السؤال …إذا كان الحكم المشار إليه قد قيّد محركات البحث التقليدية، فإن التحدي اليوم يتمثل في مدى قدرة الخوارزميات الذكية على إعادة إنتاج الذاكرة الرقمية بشكل أكثر تعقيدًا وخفاءً؟
وهو ما يعد تحدى جديد فى عصر التكنولوجيا يفتح الآفاق أمام إشكالات قانونية جديدة






