التعليم

خبراء الإعلام والتربية يرسمون خريطة حماية الطفل الرقمي في EGICA3

نظمت كلية الإعلام جامعة القاهرة، اليوم الإثنين، حلقة نقاشية بعنوان “الإعلام والطفل في العصر الرقمي: بين الحماية والاستغلال”، وذلك ضمن فعاليات اليوم الثاني لملتقى 3 EGICA. ترأس الجلسة الأستاذ الدكتور عصام نصر، الأستاذ بقسم الإذاعة والتلفزيون بالكلية، والدكتور أحمد خطاب، الأستاذ بقسم العلاقات العامة والإعلان ورئيس القسم مُعقبا.
استهل الدكتور عصام نصر، الأستاذ بقسم الإذاعة والتلفزيون بالكلية، بالتأكيد على أن العالم الرقمي الحالي يفرض تحديًا كبيرًا يتعلق بكيفية حماية الأطفال، موضحًا أن الطفل لم يعد يتعامل مع شاشة فقط، بل يعيش داخل فضاء رقمي متعدد الأبعاد والأهداف ومترامي الأطراف، تتداخل فيه المعرفة مع الترفيه، في الوقت الذي قد يفرز فيه أيضًا مخاطر مثل العزلة.
وأضاف “نصر” أن مسؤولية حماية الأطفال في هذا السياق لم تعد مقتصرة على الأسرة وحدها، بل أصبحت مسؤولية مشتركة تتداخل فيها أدوار مؤسسات متعددة، من بينها السلطة التشريعية والإعلام وكافة مؤسسات المجتمع، مشددًا على أن حماية الطفل في العصر الرقمي لا يمكن أن تقتصر على التحذير فقط، وإنما تحتاج إلى وعي مسؤول ومشاركة فعالة من الإعلام في هذا الإطار.
وخلال كلمته، أكد الدكتور حمدي عرقوب، أستاذ علم نفس الطفل والتربية الخاصة المساعد بكلية التربية للطفولة المبكرة بجامعة دمنهور، أن الإعلام شهد تطورًا سريعًا في مختلف أشكاله، سواء على مستوى النصوص أو الصور أو التقنيات الحديثة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، إلا أن هذا التطور لم يواكبه تطور مماثل في بنية الأسرة وثقافتها، مشيرًا إلى أن شريحة كبيرة من الأطفال بين 6 و12 عامًا تمثل نحو ثلث مستخدمي الأجهزة الذكية في المجتمع، وبمعدلات استخدام قد تتجاوز ثلاث ساعات يوميًا.
وأضاف “عرقوب” أن حماية الأطفال تتطلب وسائل وأساليب صحيحة ومناسبة لمراحلهم العمرية المختلفة، لافتًا إلى أن كثيرًا من الأطفال يتعرضون لمحتوى يتجاوز أعمارهم، وأن الأسرة تظل المسؤول الأول عن الصحة النفسية للطفل. وشدد على أهمية الدفء الأسري والحوار الإيجابي مع الأطفال، محذرًا من أن غياب الاحتواء الأسري أو الإفراط في القسوة قد يؤدي إلى انعكاسات سلبية مثل العدوانية أو الخوف أو العزلة، فضلًا عن تأثير القدوة السلوكية داخل الأسرة، مثل الاستخدام المفرط للأجهزة الذكية من قبل الوالدين. كما أشار إلى انتشار ظاهرة التنمر في الفضاء الرقمي، مؤكدًا ضرورة وضع “ميثاق أسري” ينظم استخدام الأطفال للتكنولوجيا ويحدد أوقاته وأشكاله بشكل واعٍ ومنضبط.
فيما استعرض الكاتب الصحفي حسين الزناتي، رئيس تحرير مجلة “علاء الدين” بمؤسسة الأهرام والوكيل الأول لنقابة الصحفيين والأمين العام للنقابة، تجربة المجلة في تقديم محتوى موجه للطفل، مؤكدًا أن التعامل مع الطفل في العصر الحالي لم يعد ممكنًا بالمعايير التقليدية نفسها، في ظل التغيرات السريعة التي يشهدها المحتوى ووسائل الإعلام، وهو ما يبرز أهمية التخصص في “صحافة الطفل” بوصفها مجالًا مؤثرًا في تشكيل شخصية الأطفال وبناء وعيهم.
وأضاف “الزناتي” أن قضايا الطفل كثيرًا ما يتم التعامل معها باعتبارها قضايا هامشية مقارنة بموضوعات أخرى مثل الرياضة والفن، رغم أنها تتطلب وعيًا مهنيًا ومجتمعيًا كبيرًا، مشيرًا إلى أن تجربة مجلة “علاء الدين” منذ تأسيسها عام 1993 مثّلت نموذجًا مهمًا في صحافة الطفل، حيث وصلت إلى توزيع نحو 100 ألف نسخة أسبوعيًا حينذاك، ولم يقتصر دورها على النشر المطبوع فقط، بل امتد إلى المشاركة في فعاليات ثقافية وتعاون مع مؤسسات رياضية مثل النادي الأهلي، بما أسهم في دعم ثقافة الطفل وتنميتها بشكل متكامل.

واختتم حديثه بالتأكيد على أهمية إعداد كوادر متخصصة قادرة على الوصول إلى الطفل في العصر الرقمي، في ظل وجود ندرة واضحة في الكفاءات المؤهلة للعمل في هذا المجال الحيوي.
ومن جانبها، أشارت الدكتورة نيرة شبايك، المدرس بقسم الإذاعة والتلفزيون بالكلية، أن الطفل يتمتع بحقوق اتصالية حقيقية ينبغي أن يراعيها الإعلام، مشيرة إلى أن هذه الحقوق تم التأكيد عليها في اتفاقيات دولية للأمم المتحدة حتى قبل ظهور الإعلام الرقمي، موضحة أن العلاقة بين الطفل والإعلام الرقمي أصبحت علاقة تبادلية تحمل فرصًا ومخاطر في آن واحد، بعدما كان تعرض الطفل للإعلام في السابق محدودًا ويتم غالبًا داخل الإطار الأسري، بينما أصبح اليوم يمتلك جهازه الخاص ويواجه محتوى متنوعًا يصعب التحكم فيه.
وأضافت “شبايك” أن مسؤولية إنتاج المحتوى تقتضي وعيًا دقيقًا بالفئات العمرية المستهدفة، بحيث يكون المحتوى مناسبًا لكل مرحلة عمرية وثقافية وسلوكية، محذرة من أن غياب “الاتصال الآمن” قد يعرض الأطفال لمخاطر نفسية وسلوكية مثل العزلة، أو حتى مخاطر أشد خطورة كالتنمر والابتزاز والتحرش الإلكتروني، مؤكدة أهمية دور الأسرة في تفعيل هذا المفهوم وتعزيز وعي الطفل بما هو صحيح وخاطئ. كما شددت على ضرورة الاهتمام بحقوق أطفال الأقليات، وخاصة الأطفال ذوي الإعاقة وأطفال مناطق النزاع، لافتة إلى وجود فجوة في المحتوى الموجه لهم ولأسرهم، واختتمت بالتأكيد على أن إعلام الطفل لا يجب أن يقتصر على الترفيه، بل يجب أن يقدم محتوى آمنًا ومناسبًا يدعم نمو الطفل ويحميه في البيئة الرقمية.
وبدورها، أكدت الكاتبة والإعلامية سماح أبو بكر عزت، مذيعة بالهيئة الوطنية للإعلام ومقرر ورئيس لجنة ثقافة الطفل بالمجلس الأعلى للثقافة، أن كتابة المحتوى الموجه للأطفال تتطلب قدرًا كبيرًا من النضج والحكمة، حتى يتمكن الكاتب من الوصول إلى عقل الطفل ووجدانه، مشددة على أن هذا النوع من الكتابة لا يحتمل الاستسهال، خاصة في ظل التحولات التي يشهدها الفضاء الرقمي وما يفرضه من تحديات جديدة.
وأوضحت “أبو بكر” أن لها تجارب متعددة في أدب الطفل، من أبرزها قصة “علي وصديقه الذكي” التي تُرجمت إلى اللغة الإنجليزية ويجري العمل على ترجمتها إلى الفرنسية، إلى جانب قصة “هيفاء ملكة الأزياء” التي تناولت قضية الابتزاز الإلكتروني، لكنها في جوهرها تطرح قضايا أعمق تتعلق بسعي الشباب لتحقيق أحلامهم عبر العالم الرقمي بدلًا من الواقع. وأكدت أن الأدب يلعب دورًا مؤثرًا في معالجة القضايا المجتمعية، مشيرة إلى أن التجارب القصصية التي قدمتها حققت نتائج إيجابية في التوعية والتأثير لدى الأطفال والشباب أيضا.

وفي إطار الحلقة النقاشية، استعرض محمد عدلي، مدير المحتوى والبرمجة بالشركة المتحدة للخدمات الإعلامية، عددًا من التجارب التي يعتز بها في مجال محتوى الأطفال، وفي مقدمتها مسلسلا “يحيى وكنوز” و”نورة”، مشيرًا إلى أن تجربة “يحيى وكنوز” امتدت لثلاثة مواسم متتالية، مؤكدا أن نجاح المحتوى الموجه للطفل يرتبط بقدرة صانعيه على فهم الطفل والاستماع إليه والتواصل معه بلغته الخاصة، لا بفرض رؤى الكبار عليه، خاصة في ظل الكم الهائل من المحتوى الذي أصبح متاحًا للأطفال عبر المنصات المختلفة.
وأضاف “عدلي” أن عنصر الجذب يمثل عاملًا أساسيًا في صناعة محتوى الطفل، إذ إن الطفل لن يستمر في متابعة المحتوى ما لم يكن مشوقًا وقادرًا على جذب انتباهه منذ اللحظة الأولى. كما شدد على أهمية تحقيق التوازن بين الترفيه والحفاظ على القيم والهوية الثقافية، في ظل وجود محتويات رقمية تحمل رسائل قد لا تتوافق مع خصوصية المجتمع، موضحا أن مستقبل محتوى الطفل يرتبط بشكل وثيق بالتطورات التي تشهدها المنصات الرقمية، مؤكدًا أن بناء صناعة قوية في هذا المجال يتطلب محتوى جذابًا ومبهرًا قادرًا على استقطاب الجمهور والممولين في الوقت نفسه، خاصة مع تردد بعض الجهات في الاستثمار بهذا النوع من المحتوى بسبب المخاوف المرتبطة بالعائد الاقتصادي.
وعقّب الدكتور أحمد خطاب، الأستاذ بقسم العلاقات العامة والإعلان بالكلية ورئيس القسم، على ما طُرح خلال الجلسة من موضوعات ومحاور، حيث قدّم تلخيصًا لأبرز التوصيات التي خرج بها النقاش، مؤكدًا في مقدمتها خطورة غياب دور الأسرة في توجيه استخدام الأطفال للإعلام الرقمي، وأهمية تعزيز الصحة النفسية للطفل وتوفير الاحتواء العاطفي والدفء الأسري بما يحول دون تحوله إلى فريسة للمنصات الرقمية.
كما شدد “خطاب” على ضرورة الحد من مخاطر الإفراط في استخدام المنصات الرقمية وما قد يسببه من إدمان لدى الأطفال، مع التأكيد على أهمية الابتعاد عن أساليب القسوة والتسلط في التربية، والعمل على تحقيق حياة أكثر توازنًا للطفل. وأشار إلى ما تم عرضه من نماذج لمحتوى ملائم للأطفال في البيئة الإعلامية الحالية، مؤكدًا أهمية دعم صحافة الطفل وصُنّاع المحتوى المتخصصين، وتقديم محتوى يخاطب الطفل بلغته المناسبة ويُسهم في غرس القيم داخل شخصيته. واختتم حديثه بالتأكيد على أهمية تنشئة الطفل بشكل سليم، وضرورة تعزيز الوعي بحقوق الطفل والاهتمام بها، بما يضمن إعداد أجيال قادرة على التفاعل الإيجابي مع البيئة الرقمية المعاصرة.
وفي ختام الحلقة، تم تكريم المتحدثين المشاركين تقديرًا لمداخلاتهم العلمية وجهودهم في إثراء النقاش حول قضايا الطفل والإعلام الرقمي، وذلك وسط إشادة بالدور الذي قدموه في طرح رؤى وتوصيات تسهم في تطوير المحتوى الإعلامي الموجه للأطفال وتعزيز وعي المجتمع بالتحديات المرتبطة بالبيئة الرقمية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى