
في قلب منطقة شعبية مزدحمة بشوارعها الضيقة وضجيجها المعتاد، يبدو الوصول إلى «مستشفى الناس» وكأنه انتقال مفاجئ من عالم إلى آخر.
خارج الأسوار، تفاصيل يومية قاسية، شوارع شعبية مزدحمة بالحركة اليومية المعتادة، ضجيج السيارات، ومحال متلاصقة لا تهدأ، لكن ما إن تعبر بوابة المستشفى حتى يتبدل كل شيء؛ صمت هادئ، ضوء طبيعي يغمر المكان، ونظافة دقيقة تشعرك أن كل تفصيلة هنا وُضعت بعناية
الأربعاء الماضي، زار نقيب الأطباء الدكتور أسامة عبد الحي ووفد من النقابة العامة للأطباء مستشفى الناس، استقبلهم خلالها المهندس أيمن ممدوح عباس أمين صندوق المستشفى، الذي ارتبط اسمه بتحويل الحلم إلى واقع.
ضم وفد النقابة الأمين العام د. أبو بكر القاضي، والأمين العام المساعد د. خالد أمين، وعضوا مجلس النقابة د. أحمد بحلس، ود. كريم سالم.
لم تكن الزيارة بروتوكولية، بل مواجهة مباشرة مع نموذج إنساني نادر؛ مستشفى مجاني بالكامل، لكنه يعمل بمعايير تضاهي أفضل المستشفيات العالمية.
منذ اللحظة الأولى، كان الانطباع مختلفا، الردهات الواسعة، الإضاءة الطبيعية التي تدخل إلى كل زاوية، والهدوء الذي يخفف عن المريض رهبة المستشفيات المعتادة، حتى غرف العناية المركزة يدخلها ضوء النهار، لأن التصميم – كما شرح القائمون على المكان – انطلق من فكرة إنسانية بسيطة:«المريض يحتاج أن يرى الشمس، لأن عدم دخول الضوء يعد من أهم أسباب زيادة معدلات الاكتئاب».
في زمن تتسابق فيه الأسماء إلى الواجهة، اختار المهندس أيمن ممدوح عباس أن يترك الواجهة لصاحب الحلم والذي رحل قبل أن يشاهده، حيث أصر عباس على وضع صورة الراحل خميس عصفور في المدخل الرئيسي للمستشفى باعتباره المؤسس وصاحب الفكرة الأولى لبناء المستشفى.
«عالجوا المحتاجين كما يحب الأغنياء أن يُعالجوا»، عبارة قصيرة تصدرت جدارا داخل فناء مستشفى الناس، دٌونت أعلى صورة للراحل خميس عصفور، لم تكن مجرد كلمات معلقة على الحائط، بل فلسفة كاملة تتحرك في الممرات، وتظهر في طريقة استقبال المرضى، وفي نظام العمل، وفي التفاصيل الصغيرة التي تجعل المكان مختلفا.
في الطابق الإداري، يستقبلك متحف صغير لتاريخ الطب في مصر، يأخذ الزائر في رحلة تبدأ من الطب المصري القديم حتى العصر الحديث، وكأن المستشفى تريد أن تقول إن الطب هنا ليس مجرد أجهزة وعلاج، بل امتداد لحضارة عرفت قيمة الإنسان منذ آلاف السنين.
لكن المفاجأة الحقيقية كانت في «بطن المستشفى» كما يسميها الأطباء؛ البدروم الذي يكشف عادة الوجه الحقيقي لأي مؤسسة علاجية.
هناك، حيث المغسلة والتعقيم والمخازن، بدت الأرضيات والجدران بنظافة تقترب من غرف العمليات، لا فوضى، لا بقايا، لا ضجيج، حتى بعد انتهاء تجهيز وجبات الطعام للمستشفى بالكامل، بدا المكان وكأن أحدا لم يستخدمه.
وفي ذروة أزمة كورونا، حين عانت مستشفيات كثيرة نقص المستلزمات الطبية، قرر فريق المستشفى إنشاء مصنع صغير ينتج الملابس الطبية والماسكات والجوانتيات وكل احتياجات العمل اليومي.
اللافت أن الجميع هنا يتحدث دائما عن «الفريق»، لا عن فرد واحد، النجاح يُنسب للجميع، وكأن المؤسسة قررت منذ البداية أن العمل الإنساني لا يصنعه بطل منفرد.
داخل المخازن، كل شيء مرتب بدقة لافتة، لكل قسم احتياجاته المخزنة بعناية تكفي لفترات طويلة، والصيدلية الإكلينيكية مرتبطة مباشرة بفريق التغذية، بحيث يحصل كل مريض على برنامج يناسب حالته بدقة.
وفي المطعم، تختفي الفوارق تماما، الإدارة، الأطباء، التمريض، العمال، الجميع يتناول الطعام نفسه، على الطاولات نفسها، بالخدمة نفسها، لا توجد امتيازات شكلية لأحد.
المواد بسيطة، لكن النظافة مدهشة، والتنظيم صارم، والاهتمام بالإنسان حاضر في كل تفصيلة.
المستشفى مقسمة إلى مستشفيات صغيرة متخصصة؛ للقلب، والجهاز الهضمي، والحروق، وغيرها، غرف عمليات وقسطرة مجهزة بأحدث التقنيات، بحيث لا يضطر الطبيب لتأجيل أي تدخل أو نقل المريض بين أكثر من مكان.
أما مركز الحروق، فيبدو كأنه عالم مستقل من الدقة والرعاية، لكل مريض فريق تمريض خاص يتابعه باستمرار، وكل حركة داخل المكان مراقبة ومنظمة بدقة شديدة.
في نهاية الجولة، بدا واضحا أن «مستشفى الناس» ليست مجرد مبنى طبي، بل فكرة كاملة عن معنى العدالة الإنسانية، مكان يثبت أن العلاج المجاني لا يعني أبدا علاجا أقل جودة، وأن الفقير يمكن أن يحصل على الرعاية نفسها التي يحصل عليها الأغنياء، إذا وُجدت الإرادة، ولهذا، ربما كانت العبارة المعلقة على الجدار أكثر من مجرد شعار، «عالجوا المحتاجين كما يحب الأغنياء أن يُعالجو»، لأن هناك، داخل هذا المكان، تحولت الكلمات فعلا إلى واقع.
من جهته، أعرب د. أسامة عبد الحي نقيب الأطباء، عن سعادته الكبيرة بزيارته إلى «مستشفى الناس»، بدعوة كريمة من المهندس أيمن ممدوح عباس، مؤكدا أنه كان يعلم مسبقا أن المستشفى تقدم خدمة طبية متميزة وعلى مستوى عال، لكنه لم يكن يتخيل حجم العمل وجودته بهذا الشكل اللافت.
وقال نقيب الأطباء، إن ما شاهده داخل المستشفى يمثل «نظاما متكاملا» يبدأ منذ لحظة دخول المريض وحتى انتقاله بين الأقسام المختلفة، مشيدا بمستوى الخدمات الطبية المقدمة، والتي وصفها بأنها تضاهي كبرى المستشفيات التخصصية، خاصة في مجالات جراحات قلب الأطفال، وأمراض الجهاز الهضمي، ومركز علاج السكر، وعلاج الحروق.
وأشار إلى أن أكثر ما لفت انتباهه هو وجود حالات شديدة التعقيد يتم التعامل معها بكفاءة عالية، موضحا أنه شاهد طفلا مصابا بحروق بنسبة 70%، ظل يتلقى العلاج لمدة 47 يوما حتى تحسنت حالته بشكل كبير، معتبرا ذلك «إنجازا طبيا حقيقيا»، خاصة أن نسب الوفاة في الحالات التي تزيد نسبة الحرق فيها عن 60% تكون مرتفعة للغاية.
وأكد د. أسامة عبد الحي، أن «مستشفى الناس» تقدم نموذجا حقيقيا لما يمكن أن تصنعه المشاركة المجتمعية حين تتجه إلى المكان الصحيح، مشددا على أن كل من ساهم أو تبرع لهذا الصرح الطبي شارك فعليا في إنقاذ حياة المرضى ودعم علاجهم بالمجان.
وأضاف: «هنيئا لكل المتبرعين بهذا المكان.. كل جنيه تم التبرع به هنا في مكانه الصحيح»، داعيا القادرين إلى استمرار دعم المستشفى، حتى تواصل تقديم خدماتها الطبية والإنسانية بهذا المستوى المشرّف والمبهر».
من جهته، رحب المهندس أيمن ممدوح عباس، أمين صندوق مستشفى الناس، بوفد نقابة الأطباء خلال زيارتهم للمستشفى، مؤكدا أن ما تحقق داخل هذا الصرح لم يكن جهد فرد، بل ثمرة عمل جماعي لفريق متكامل يعمل بروح واحدة، قائلا إن جميع العاملين داخل المستشفى، من أطباء وتمريض وإداريين وفنيين وعمال، شركاء في النجاح ويتساوون في المسؤولية والرسالة الإنسانية التي يحملها المكان.
وأكد المهندس أيمن ممدوح عباس أن مستشفى الناس تقوم على فلسفة واضحة تتمثل في تقديم خدمة طبية متكاملة ومجانية بالكامل لكل المرضى دون تفرقة، مشيرا إلى أن المستشفى تسعى لتوفير أعلى مستويات الرعاية الصحية وفق أحدث المعايير العالمية.
من جهته، أكد د. أبو بكر القاضي، الأمين العام لنقابة الأطباء، أن مستشفى الناس يضاهي كبرى المستشفيات العالمية، ويعكس قدرة الأطباء المصريين على بناء منظومة صحية متطورة بهذا المستوى.
وأعرب عن أمله في تكرار التجربة بمختلف المحافظات، لما تمثله من نموذج مشرّف للرعاية الصحية في مصر.
كما أكد د. خالد أمين، الأمين العام المساعد لنقابة أطباء مصر، أن مستشفى الناس تمثل نموذجا إنسانيا وطبيا مبهرا بكل ما تحمله الكلمة من معنى، مشيرا إلى أن أكثر ما لفت الانتباه هو الاهتمام الكبير بالحالة النفسية للمرضى وأسرهم.
ودعا المواطنين إلى متابعة ودعم المستشفى، مؤكدا أن التعريف بهذا النموذج الإنساني «رسالة خير» تستحق أن تصل إلى الجميع.
وأكد د. أحمد بحلس، مقرر لجنة العلاقات الخارجية بنقابة الأطباء واستشاري جراحات التجميل والجراحات الميكروسكوبية، أن زيارة وفد النقابة إلى المستشفى كانت تجربة إنسانية مبهرة لمست قلوب الجميع، مشيدا بمستوى الخدمات والتجهيزات داخل المستشفى.
وأشار إلى أن قسم الحروق، وخاصة معمل الجلد الجديد بالمستشفى، يمثل نقلة حقيقية في علاج الحروق داخل مصر، موضحا أن المعمل يضم ميكروسكوبات عالية الدقة وثلاجات تصل درجة حرارتها إلى 80 درجة مئوية تحت الصفر، ويُستخدم في علاج مرضى الحروق الشديدة الذين لا تتوافر لديهم مساحات كافية من الجلد لتغطية المناطق المصابة.
وأوضح أن الفريق الطبي يأخذ جزءا صغيرا من جلد المريض لا يؤثر على حالته الحيوية، ثم يُنقل إلى المعمل حيث يُقسم تحت الميكروسكوب بتكبير يصل إلى مستوى الخلايا، قبل أن يُزرع داخل بيئة معملية مخصصة تساعد على تكاثر الأنسجة حتى تتكون مساحة جلدية كبيرة يمكن إعادة زراعتها للمريض مرة أخرى، معربا عن أمله في نجاح التجربة داخل مصر، بما يفتح الباب مستقبلا لاستخدام التقنية نفسها في استزراع أنسجة أخرى مثل الغضاريف والعظام وغيرها.
وفي ختام حديثه، أشاد د. أحمد بحلس بتطبيق فلسفة مؤسس المستشفى الراحل خميس عصفور: «عالجوا المحتاجين كما يحب الأغنياء أن يُعالجوا».
فيما أشار عضو مجلس النقابة العامة للأطباء د. كريم سالم، إلى أن كل تفصيلة داخل مستشفى الناس مدروسة بعناية لتوفير الراحة والدعم الإنساني إلى جانب العلاج الطبي.
وأضاف أن المستشفى تقدم خدمات متقدمة للأطفال المصابين بأمراض القلب والعيوب الخلقية والحروق، وفق أحدث الأساليب الطبية، لافتا إلى أنه لمس أعلى درجات الرضى بين المرضى وأيضا الأطباء وجميع العاملين في المستشفى.







