
في عملية عسكرية وصفت بأنها واحدة من أكثر العمليات دقة وتعقيدًا في التاريخ الحديث، قتل زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن خلال مداهمة نفذتها قوات النخبة الأمريكية داخل مجمعه السكني في أبوت آباد بباكستان في مايو 2011، في حدث ما زال يثير روايات متعددة حول لحظاته الأخيرة وتفاصيل الساعات الحاسمة التي سبقت مقتله.
وكشفت زوجته الصغرى أمل لاحقًا تفاصيل الليلة الأخيرة داخل المجمع، حيث قالت إن العائلة استيقظت على صوت مروحيات تحلق فوق المبنى، تلاه اهتزاز عنيف في الجدران نتيجة بدء العملية العسكرية الأمريكية، وفقا لصحيفة لاد بايبل.
وروت أمل أن بن لادن أصدر أوامر سريعة لأفراد عائلته بالتحرك إلى أسفل المبنى، قائلًا إن المستهدف هو هو وحده، في محاولة لفصلهم عن المواجهة المسلحة التي بدأت تتشكل داخل المنزل المحاصر.
الاشتباك بين عناصر القوات الأمريكية وأفراد الحراسة داخل المجمع
كما ذكرت الزوجة أنها بقيت في إحدى الغرف مع طفلها الصغير، بينما تصاعدت أصوات الاقتحام والاشتباك بين عناصر القوات الخاصة الأمريكية وأفراد الحراسة داخل المجمع، في مشهد اتسم بالفوضى والتوتر الشديد.
وأفادت أمل أن بن لادن نطق بكلمات قصيرة قبل لحظات من الاقتحام النهائي، إذ قال لها: “لا تشغلي الضوء”، في إشارة إلى حالة الظلام الكامل التي كان يعيشها داخل المنزل بعد قطع الكهرباء عنه من قبل القوات المهاجمة.
وانتهت تلك اللحظات سريعًا مع دخول عناصر قوات النخبة الأمريكية إلى الغرفة المستهدفة، حيث تم الاشتباك المباشر الذي أسفر عن إصابة أمل في ساقها وسقوطها أرضًا، وفق روايتها، قبل أن تنتهي العملية بمقتل بن لادن داخل غرفته.
وأكد أحد أفراد القوات الخاصة المشاركين في العملية، روبرت أونيل، في روايات لاحقة، أنه واجه بن لادن وجهًا لوجه داخل المجمع، مشيرًا إلى أن المواجهة كانت خاطفة وحاسمة، وأن زعيم القاعدة لم يحاول الاستسلام في اللحظات الأخيرة.
تباطؤ الزمن
ووصف أونيل اللحظة بأنها بدت وكأن الزمن تباطأ، قبل أن يطلق النار عليه، مؤكدًا أن الهدف كان تحييده فورًا باعتباره تهديدًا مباشرًا للفريق المقتحم في تلك اللحظة الحرجة.
وأوضح المشاركون في العملية أن المجمع كان محصنًا بشكل كبير، مع جدران عالية ونظام أمني معقد صُمم لمنع أي مراقبة خارجية، وهو ما جعل عملية تحديد موقعه النهائي ثم اقتحامه تتطلب تخطيطًا استخباراتيًا طويل الأمد.
وذكرت مصادر مطلعة أن العملية استغرقت دقائق معدودة داخل المبنى نفسه، لكنها جاءت نتيجة سنوات من الرصد والتتبع الاستخباراتي المكثف الذي سبق تنفيذ المهمة تحت اسم “عملية رمح نبتون”.
وأشارت التقارير إلى أن القوات الأمريكية واجهت عدة تحديات خلال الاقتحام، من بينها انهيار إحدى المروحيات عند الهبوط، ما زاد من تعقيد المشهد الميداني داخل محيط المجمع المحاصر.
وأكدت الروايات أن أفراد القوة الخاصة تحركوا بسرعة عبر أدوار المبنى، وسط اشتباكات متفرقة، قبل الوصول إلى الطابق العلوي حيث كان بن لادن مختبئًا مع بعض أفراد عائلته.
فهم شبكة تنظيم القاعدة
وذكرت التقارير أن القوات عثرت داخل المبنى على وثائق وأجهزة إلكترونية متعددة، اعتُبرت لاحقًا مصدرًا استخباراتيًا مهمًا لفهم شبكة تنظيم القاعدة في تلك المرحلة.
وأعلنت القيادة الأمريكية في وقت لاحق أن العملية انتهت بنجاح كامل، وأن الجثة نُقلت من الموقع، قبل دفنها في البحر وفق الإجراءات المعتمدة في ذلك الوقت لتجنب تحول المكان إلى نقطة رمزية.
أثارت العملية جدلًا واسعًا حول العالم، بين من اعتبرها نهاية رمزية لأحد أخطر المطلوبين في التاريخ الحديث، ومن ركز على الجوانب القانونية والأمنية المتعلقة بتنفيذ الاغتيال داخل دولة أخرى.
وانقسمت الروايات اللاحقة بين تفاصيل روتها زوجته التي ركزت على اللحظات الإنسانية داخل المجمع، وروايات أفراد القوات الخاصة التي ركزت على الطابع العسكري الدقيق والسريع للعملية، واستمرت القصة لاحقًا في تشكيل جزء من الذاكرة السياسية والأمنية العالمية، باعتبارها نقطة تحول في الحرب على الإرهاب، ونهاية فصل طويل من مطاردة زعيم تنظيم القاعدة.







