مقالات

زيارة ترامب للصين.. بين تايوان وإيران

بقلم عبد الرازق توفيق

بعيداً عن تفاصيل زيارة الرئيس الأمريكى دونالد ترامب للصين، الوصول والاستقبال، ولغة الجسد، ورسائل بكين التى سعت إلى إيصالها، وما وصلت إليه وحالة الندية، المحسوبة بدقة، والإدراك الصينى للمأزق الذى يواجهه ترامب وجاء بسببه إلى الصين حاملاً معه ملفات ساخنة من المشاكل والأزمات التى تواجه إدارة الرئيس ترامب سواء على الصعيد الاقتصادى والتجارى أو العسكرى أو التكنولوجي.

بدأ الرئيس ترامب خلال زيارته للصين مختلفاً عن زياراته السابقة، لا يمسك بزمام السيطرة أو الاستعراض أو الايحاء بقوة النفوذ والهيمنة، ونال استقبالاً امبراطورياً يرضى تركيبته النفسية لكنه كان هادئاً مستسلماً جاء يبحث عن حلول لازمات مؤلمة وسعى للحصول على مكاسب اقتصادية وايضاً تعهدات سياسية لم تسفر عن شئ أو نتيجة واضحة، ولكن توازن صينى سعى إلى احتواء المواقف، لكنه جاء تصعيدياً تحذيرياً فيما يخص قضية تايوان ورسمت بكين خطاً أحمر أمام الرئيس ترامب وإدارته من مغبة التدخل أو دعم تايوان وإذا حدث ذلك فإن صدام البلدين آت لا محالة، وهو أبرز ما بدا متوتراً خلال الزيارة، تشعر ان الصين مستعدة لكافة السيناريوهات.

استوقفنى خلال الزيارة أمران بعيداً عن المفاوضات الاقتصادية حول ضبط العلاقات التجارية والجمركية والتكنولوجية بين البلدين، واحتواء سيطرة الصين على سوق الرقائق أو المعادن النادرة وهو ما سعت إليه الشركات الأمريكية لتحقيقه بعد ضغوط شديدة على الإدارة الأمريكية وتشعر أيضاً ان ترامب على استعداد لتنفيذ مطالب بكين واعلانه الاتجاه نحو العثور عن شركات تستورد النفط الإيرانى وربما نجح فى الحصول على موافقة الصين لاستيراد النفط الامريكى وايضاً الطائرات الأمريكية بوينج وأمور أخري، واتفاقه حول التعريفة الجمركية.

القضية الأولى التى استوقفتنى هو الموقف المتشدد للرئيس الصينى شى بينج حول تايوان واعتبارها خطاً أحمر، قد يقطع أى روابط للعلاقات الأمريكية الصينية، ليس هذا فحسب، بل ينذر ويحذر بنشوب صراع بين البلدين حال تدخل أو دعم أمريكى لتايوان فى ظل الرفض الصينى القاطع لمبيعات الأسلحة الأمريكية لتايوان وهو ما عبر عنه المتحدث باسم الخارجية الصينية  مشدداً على أهمية احترام واشنطن لمبدأ الصين الواحدة وعدم التدخل فى الشئون الداخلية لبكين.

الرئيس الصينى حذر ترامب من نشوب صراع بين بكين وواشنطن إذا أساءت الولايات المتحدة الأمريكية التعامل مع قضية تايوان وانها القضية الأهم بين البلدين وفى حال تدخل ودعم أمريكا لتايوان فإن الصدام قادم وصراع محتدم وهو ما يدفع العلاقات إلى وضع شديد الخطورة، وهو أخطر ملف يتعلق بعلاقات البلدين، وجاءت تصريحات ترامب عقب انتهاء الزيارة ووصوله إلى واشنطن لتؤكد ان رسالة الصين وصلت عندما أعلن ان الولايات المتحدة لا تريد حرباً مع الصين بسبب تايوان ولا يريد ان يعلن أحد استقلاله ليضطر إلى قطع 9500 ميل من أجل خوض حرب مرجحاً ان بيكن لن تتخذ أى خطوات بشأن الجزيرة إذا بقى الوضع على حاله.

وهو حديث يختلف عن تصريحات ترامب قبل الزيارة خاصة وان الصين تعتبر ان تايوان جزئاً لا يتجزأ منها التزاماً بمبدأ الصين الواحدة وهو شرط لأى علاقات دولية مع بكين، لكن السؤال هل تلتزم واشنطن بايقاف مبيعات السلاح لتايوان والتى شكلت نقطة توتر رئيسية فى العلاقات الأمريكية الصينية.

فى ظنى ان الزيارة لم تسفر عن نتائج واضحة ولم تحقق مطالب ترامب حتى شركة بوينج أبدت عدم رضائها على حصول الصين على ما لايزيد على مائتى طائرة منها، وكانت تأمل فى أكثر من ضعف هذا الرقم وطغت على الزيارة الأحاديث الدبلوماسية ومحاولات الاحتواء ووصفت بعض التقارير الزيارة انها لم تحرز أى تقدم خاصة فى الصراع مع إيران.

يظن البعض ان الصين يمكن ان تقايض إيران بتايوان وهذا غير وارد على الاطــلاق رغــم ان ترامـب قال ان الرئيس الصينى شى بينج أكد على أهمية فتح مضيق هرمز، وهذا صحيح لكنه يرفض تماماً ان يكون المضيق  فى حوزة وسيطرة الأمريكيين والاوروبيين وأفضل له ان يكون تحت سيطرة إيران أو يعود مفتوحاً إلى طبيعته قبل الحرب لأن معنى سيطرة الأمريكان والاوروبيين على هرمز  فإن ذلك يعنى الاضرار بمشروعات ومصالح الصين الاستراتيجية خاصة طريق الحرير لصالح طريق الهند أوروبا وبالتالى فى حديث الرئيس الصينى هو حديث دبلوماسى سياسى لكنه لم يفصح عن نواياه الحقيقية التى يعرفها ترامب تماماً حتى وان قال الرئيس الأمريكى ان الصين تعارض امتلاك إيران سلاحاً نووياً فإن هذا الأمر لا يهم ولا يضر بكين وجاء الحديث عاماً، لكن الصين لن تتخلى عن طهران لأنها مرتبطة بمصالح مهمة للصين تتعلق بنفوذها ومشروعاتها، واحتياجاتها من النفط ومن مصلحة الصين ان يكون المضيق مفتوحاً لكنه لا يكون تحت سيطرة الامريكان، إيران استبقت ترامب للصين بزيارة وزير الخارجية عباس عراقجى لبكين وبطبيعة الحال فإن مضمون زيارة عراقجى واضح التأكيد على الموقف الإيرانى والدعم الصينى والتنسيق بين بكين وطهران، وعرض الرئيس الصينى المساهمة فى التفاوض بين واشنطن وطهران لكنه يرفض الحرب لذلك وصف المحللون ان زيارة ترامب للصين لم تحرز أى تقدم يذكر بشأن إيران ومضيق هرمز، وان ترامب ذهب ليستجدى الصين للتدخل لدى إيران وأعلن موافقته على تجميد البرنامج النووى لمدة 20 عاماً.

ما بين تحذيرات وتهديدات الصين بالصدام والصراع مع الامريكان حال دعم تايوان أو إساءة التعامل فى هذه القضية واستجداء ترامب للصين للتدخل لدى إيران نجد ان نفوذ بكين يصعد فى مواجهة هيمنة واشنطن ولم تصبح الولايات المتحدة الأمريكية اللاعب الوحيد فى منطقة الشرق الأوسط بل للصين مصالح ومشروعات وتطلعات ونفوذ وهذا الأمر الذى يشير إلى ان العالم يتجه إلى عالم متعدد الاقطاب لم تعد واشنطن هى القوة الواحدة والمهيمنة على النظام العالمي، خاصة فى ظل العلاقات القوية التى تجمع الصين وروسيا وايضاً علاقاتهما النوعية بالقوى الاقليمية فى الشرق الأوسط وفقدان الولايات المتحدة لثقة دول المنطقة والشرق الأوسط مع تنامى النفوذ الاقتصادى الصينى والتكنولوجى وامتلاك موسكو وبكين ترسانة متطورة للأسلحة المتقدمة والرادعة خاصة دخول الصين بقوة فى مجال التفوق الجوى ومنظومات الدفاع الجوى ومن يظن انها ستوقف دعم إيران بالسلاح فهو واهم رغم الوعود الدبلوماسية لكنها انجزت المهمة وبات لدى إيران كل الوسائل التى تستطيع من خلالها الصمود وردع القوات الأمريكية.

كما ان الصين وروسيا لن يوقفا الدعم المعلوماتى عبر صور الاقمار الصناعية لتمركزات القوات الأمريكية.. لصالح إيران، المعركة لن تحسمها زيارة، لأن الطرفين ينظران انها معركة وجود ونفوذ وهيمنة ومصالح استراتيجية لا يمكن ان يتساهل أى  طرف واشنطن تريد الحفاظ على نفوذها وهيمنتها وبكين تسعى لتأكيد صعودها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى