الحفظ وثماره الطيبة في طلب العلم

دكتور / وائل فؤاد
الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على عبده ونبيه محمد ﷺ وعلى آله وصحبه والتابعين، والحمد لله الذي هدانا لهذا الدين، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، والحمد لله الذي جعل كتابه محفوظا لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه: “إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ” [الحجر:9]، أما بعد: فإن الحفظ هو الذي يُرسِّخ الحقائق في الذهن، ويحفظها من النسيان، مما يُنشئ لدى الطالب ملكة الفهم والتحليل، كما أنه يُمكِّن طالب العلم من استحضار الأدلة والمسائل فورا، مما يمنحه سرعة الفتوى والتعليم، ويُعد “رأس مال” المستودع في الصدر الذي يرافقه في أي مكان، كما أن الحفظ خاصة للمتون العلمية، يضمن بقاء المعارف، ويمنع النسيان، ويجعل العلم ملكة ثابتة، وقيل: “من حفظ المتون حاز الفنون”، فالمتون العلمية المُجمعة للمسائل تعد أساسا متينا لطالب العلم، والحِفظُ لُغةً: مصدَرُ قَولِهم: حَفِظ يَحفَظُ، وتدُلُّ على مُراعاةِ الشَّيءِ، يقالُ: حَفِظتُ الشَّيءَ حِفظًا، ينظر: مقاييس اللغة لابن فارس 2/ 87، والحِفظُ: يُقالُ تارةً لهيئةِ النَّفسِ التي بها يَثبُتُ ما يؤدِّي إليه الفَهمُ ويُضادُّه النِّسيانُ، كما في حِفظِ القُرآنِ الكريمِ مَثَلًا، ثمَّ استُعمِلَ في كُلِّ تفَقُّدٍ وتعَهُّدٍ ورعايةٍ، وقَولُه سُبحانَه: “وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ” [الأحزاب: 35] كنايةٌ عن العِفَّةِ، وحَفِظتُ الشَّيءَ حِفظًا، أي: حَرَستُه، وحَفِظتُه أيضًا بمعنى استظهَرْتُه. والحَفَظةُ: الملائكةُ الذين يكتُبون أعمالَ بني آدَمَ، والمحافَظةُ: المراقَبةُ، والحفيظُ: المحافِظُ، ومنه قولُه تعالى: “وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ” [الأنعام: 104] ، والتَّحفُّظُ التَّيقُّظُ وقِلَّةُ الغَفلةِ، يُنظَر: المفردات، للراغب الأصفهاني ص245، ولسان العرب، لابن منظور 7/ 441- 442، وبصائر ذوي التمييز، للفيروز ابادي 2/ 480، وحين نعود إلى النصوص الشرعية نجد ما يؤيد أهمية كل من الحفظ والفهم، ومما يدل على فضل الحفظ قوله تعالى: (بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم) (العنكبوت:49)، وقد بوَّب البخاري “رحمه الله” في كتاب العلم: (باب حفظ العلم)، وأورد فيه حديث سيدنا أبي هريرة “رضي الله عنه” أنه قال:”إن الناس يقولون: أكثر أبو هريرة، ولولا آيتان في كتاب الله ما حدثت حديثا، ثم يتلو: (إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات الهدى) (البقرة:159) إلى قوله: (الرحيم)، إن إخواننا من المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالأسواق، (الصفق هو التصفيق باليد، فكانت عادة العرب عند البيع والشراء أن يضرب المشتري يده على يد البائع علامة على العقد)، وإن إخواننا من الأنصار كان يشغلهم العمل في أموالهم، وإن أبا هريرة كان يلزم رسول الله ﷺبشبع بطنه، ويحضر ما لا يحضرون، ويحفظ ما لا يحفظون”. أخرجه البخاري، 118؛ ومسلم، 2492.
والحفظ أساس العلم، قال الحافظ ابن الجوزي “رحمه الله”: ليس من حفظ نصف القرآن كمن حفظ الكل, ولا من حفظ مائة حديث كمن حفظ ألفا، وعلى هذا فليس العلم إلا ما حصل بالحفظ، وبداية طلب العلم حفظ القرآن: قال ابن مسلم: كنا إذا جالسنا الأوزاعي فرأى فيناً حدثاً, قال: يا غلام, قرأت القرآن ؟ فإن قال: نعم, قال: اقرأ ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء:11] وإن قال: لا, قال: اذهب تعلم القرآن قبل أن تطلب العلم، وقال الخطيب البغدادي “رحمه الله”: ينبغي للطالب أن يبدأ بحفظ كتاب الله “عز وجل” إذ كان أجلَّ العلوم، وأولاها بالسبق والتقديم، فهو يُعد أساسا راسخا يأتي الفهم بعده، كما أن للتكرار أهميته في حفظ العلم:
فابنة حارثة بن النعمان “رضي الله عنها” حفظت (سورة ق) من النبي ﷺ من كثرة ما كان يكررها في خطبة الجمعة، ولما سُئل البخاري عن دواء للحفظ قال: (لا أعلم دواءً للحفظ أنفع من نهمة الرجل، ومداومة النظر، وكثرة المراجعة)، وهكذا كان علماء المسلمين على مر العصور:
- فقد قرأ المزني (الرسالة) للإمام الشافعي خمسمائة مرة.
- وكان أبو إسحاق الشيرازي يُعيد الدرس مئة مرة.
- وأملى النوويُّ على أصحابه مسألةً من (الوسيط) للغزالي، فراجعوه فيها، فقال: (تراجعوني في الوسيط، وقد قرأته أربع مائة مرة)، ومن هنا قال (أديسون) وهو الذي ابتكر المصباح بعد تسع وتسعين تجربة: (العبقرية تكرار المحاولة).
ومن تتبع ذلك من سيرهم أدرك السرَّ فيما انتشر في كتب التراجم من الإخبار بحفظ العلماء للكتب، ومن ذلك: - قال الروياني: لو احترقتْ كتب الشافعي لأمليتها من حفظي.
- وكان الفخر الرازي وأبو الحسن الآمدي يحفظان كتاب (المستصفى) من كثرة مذاكرته، ولما أعدمت دولة (الموحدين) جميعَ النسخ الموجودة من كتاب (المدونة) وهي الأم في مذهب مالك، وأراد مَنْ بعدهم بعد زوال ملكهم إعادتها، لم يجدوا لها نسخة، فأملاها عليهم الفقيه أبو الحسن بن أبي العشرين من حفظه، ثم عثروا لها على نسخة متقنة مجوّدة، فقابلوها بإملاء أبي الحسن، فلم يجدوا فرقاً بين النسختين إلا في الواو والياء، ولأبي حامد الغزالي حكاية لطيفة تبين أهمية الحفظ، وذلك أنه رحل إلى جُرجانَ وعلَّق عن أبي نصر الإسماعيلي (تعليقه) فلما عاد إلى طوس قُطِعتْ عليهم الطَّريقُ، قال: وأخذ العيَّارون جميعَ ما معي ومضوا، فتبعتُهم، فَالْتَفتَ إِليَّ مُقدّمهم وقال: ارجع ويحك وَإِلَّا هلَكت. فقلت له: أَسأَلك بالذي ترجو السَّلامة منهُ أَن تردَّ عليَّ تعليقتي فَقَط، فما هي بشيء تنتفعون به. فقالَ لي: وما هي تعليقتك؟ فقلتُ: كتبٌ في تلك المخلاة، هاجرتُ لسماعها وكتابتها ومعرفة علْمِهَا. فَضَحِك، وقال: كيفَ تدعي أَنَّك عرفتَ علمهَا وَقد أخذناها منك، فتجردتَ من معرفتهَا، وبقيت بلا علم؟! ثمَّ أَمرَ بعضَ أَصحابه فسلَّم إِلَيَّ المِخلاة، قال الغزالي: فقلتُ: هذا مُسْتَنْطَق، أنطقه اللهُ ليرشدني بهِ في أَمري، فلما وافيتُ طوس، أَقبلتُ على الاشتغال ثلاث سنين، حتَّى حفظتُ جميع ما علَّقتُه، وصرتُ بحيثُ لو قُطِعَ عليَّ الطَّرِيقُ لم أتجرد من علمي، ومن غرائب الحُفَّاظ ما يُروى من أن الإمام الجليل أبا عبد الله محمد بن إدريس الشافعي كان إذا نظر في كتاب وضع يده فوق السطور التي تلي السطر الذي يقرؤه؛ خوفًا من أن تمر عليها عينه فتعلق بذهنه، فإنه ما كان ينظر شيئًا إلا حفظه، وهو القائل:
عِلمي مَعي حَيثُما يَمَّمتُ يَنفَعُني
قَلبي وِعاءٌ لَهُ لا بَطنُ صُندوقِ
إِن كُنتُ في البَيتِ كانَ العِلمُ فيهِ مَعي
أَو كُنتُ في السوقِ كانَ العِلمُ في السوقِ
كذلك مما يدل على عناية العلماء بالحفظ واعتمادهم عليه قول الإمام أبي محمد علي بن حزم:
فَإِنْ تُحْرِقُوا القِرْطَاسَ لاَ تُحْرِقُوا الَّذِي
تَضَمَّنَهُ القِرْطَاسُ بَلْ هُوَ فِي صَدْرِي
يَسِيْرُ مَعِي حَيْثُ اسْتَقَلَّتْ رَكَائِبِي
وَيَنْزِلُ إِنْ أَنْزِلْ وَيُدْفَنُ فِي قَبْرِي
بقلم دكتور/ وائل فؤاد، مدرس الأدب والنقد بجامعة الأزهر، وأستاذ الأدب والنقد المساعد بالجامعة الأمريكية المفتوحة بواشنطن







