
ريهام فتحى
“في ضوء قانون المسؤولية الطبية والمواثيق العالمية”
يدخل المريض إلى المستشفى أو غرفة الكشف وهو يحمل عبء ألمه، مضطرًا لخلع ملابسه أو كشف عورته أمام الغرباء، مدفوعاً بـ “الحاجة والضعف البشرى”. وللأسف، يتم استغلال هذا الضعف أحياناً تحت مسمى “الضرورة الطبية”، فتنتهك حرمة الجسد، وتُهدر الكرامة برؤية عورته من قِبل من لا صفة لهم، أو بمعاملته كـ “حالة مرضيّة” مجردة من الإنسانية.
فقد تجرى العملية بنجاح كامل، ويُشفى المريض، ومع ذلك يكون قد تعرض لانتهاك خصوصيته أو كرامته أو حقه في الاختيار.
وهنا تثار عدة أسئلة هامة تتعلق بمن يملك حق إجراء الكشف الطبي قانوناً؟ ومن يُفترض حضوره أثناء إجرائه؟ وهل وجود مرافق أثناء إجراء الكشف الطبى فى بعض الحالات أمر إلزامى على الطبيب من عدمه.
من يجوز له الكشف على المريض؟
الأصل أن هذا الحق مقصور على من يحمل صفة “طبيب مرخص له بمزاولة المهنة”، أي من حصل على المؤهل الطبي وقُيِّد اسمه في جدول نقابة الأطباء، وفقاً للقانون رقم 415 لسنة 1954 الخاص بمزاولة مهنة الطب، الذي يحظر على أي شخص لا يحمل هذا الترخيص أن يجري كشفاً طبياً أو يصف علاجاً أو يجري عملية جراحية، ويُجرِّم من يخالف ذلك بوصفه ممارساً للطب دون ترخيص.
وقد عزز القانون رقم 13 لسنة 2025 بشأن تنظيم المسؤولية الطبية وسلامة المريض هذا المبدأ، حيث يحظر على مقدم الخدمة الطبية أن يتجاوز حدود الترخيص الممنوح له، أو أن يعالج المريض دون رضاه إلا في حالات الطوارئ التي يتعذر فيها الحصول على الموافقة، أو الحالات التي تهدد الصحة العامة كالأمراض المعدية. ويعني هذا أن الكشف لا يقتصر فقط على شرط حمل المؤهل، بل يجب أن يتم أيضاً في حدود التخصص والترخيص الممنوح للطبيب، وبموافقة المريض المسبقة إلا في الحالات الاستثنائية المشار إليها.
الانتهاكات المرتبطة بالتعليم والتدريب الطبي
فى المستشفيات التعليمية يتعرض المريض لنوع آخر من الانتهاكات المتمثل
- فى استخدام المريض كحالة تعليمية دون علمه.
- حضور طلاب أو متدربين أثناء الكشف دون إبلاغ المريض.
- تكرار الفحص على المريض لأغراض تعليمية بحتة.
- إجراء فحوص تدريبية لا تحقق منفعة علاجية مباشرة للمريض.
فهل يعنى افتراض دخول المستشفى التعليمي الموافقة التلقائية على التدريب؟ وهل يتم إبلاغ المريض أصلًا بأن جسده سيدخل دائرة التعليم؟
وللإجابة عن هذا السؤال، ينبغى التطرق إلى المعايير الأخلاقية الحديثة في الطب حيث انها لا تنكر أهمية التدريب السريري، لكنها تضع له شرطًا جوهريًا: العلم المسبق والقبول غير المشروط من المريض أو رفضه دون أي ضغط مباشر أو ضمني. فغياب الإبلاغ ليس تفصيلًا إجرائيًا، بل مساس مباشر بمبدأ الاستقلالية الجسدية، لأن ما لم يُعلن عنه للمريض لا يمكن اعتباره جزءًا من رضاه.
والأدق من ذلك أن جسد المريض لا يتحول إلى “وسيلة تعليمية” إلا بحدود ما يسمح به هو نفسه، لا ما تفترضه المؤسسة. وهنا يتكشف جوهر الإشكال: المستشفى التعليمي لا يملك أن يعيد تعريف الموافقة الطبية لتصبح موافقة على التعليم، لأن ذلك ينقل العلاقة من علاقة علاجية إلى علاقة استغلال معرفي غير متوازن.
من يُفترض حضوره أثناء الكشف؟
هنا تقع الصدمة التي يجهلها الكثيرون، يعتقد البعض أن وجود ممرضة أو طرف ثالث أثناء الفحوصات الحساسة (كالكشف النسائي) هو نص قانوني صارم . بينما الحقيقة المفاجئة: القانون لا يفرض وجود طرف ثالث في الكشف العادي، وفي وقت سابق حُذفت المادة التي تلزم بوجود “محرم أو ممرضة” من لائحة آداب المهنة بعد جدل جدلاً فقهياً وطبياً واسعاً. اعتبر فيه علماء الأزهر أن اشتراط حضور محرم أو ممرضة يحمي حقوق المريضة، ويتسق مع الشريعة الإسلامية ، بينما رأت النقابة استبعاده لصعوبة تطبيقه عملياً والاكتفاء بالتقاليد العامة ، مبررة ذلك بأنه قد يعيق تقديم الخدمة الطبية العاجلة في حالات الطوارئ، نظراً لأن صياغة مادة قانونية تعاقب الطبيب تأديبياً إذا كشف على مريضة دون مرافق تصطدم بالواقع العملي (مثل غياب الممرضات في بعض الوحدات الريفية، أو حالات الطوارئ القصوى التي لا تحتمل انتظار محرم).
. ماذا يعني ذلك عملياً؟ يعني أن حضور الممرضة أو المرافقة اليوم هو مجرد “التزام أخلاقي ومؤسسي وحيطة طبية” لحماية المريضة وحماية الطبيب نفسه من الاتهامات. لذلك، من حق المريض أن يشترط أو يرفض الكشف إلا بوجود ممرضة أو مرافق، ومن حقه الأهم رفض دخول غرباء (مثل عمال، إداريين، أو حتى طلبة امتياز دون إذن المريض الصريح)، لأن صون الكرامة يقتضي ألا يطلع عليك إلا الطاقم المعالج مباشرة وبموافقتك.
الموقف عالميا من حضور مرافق طبى عالمياً، الموقف يختلف تماماً ويتحرك بسرعة نحو “إلزامية” حضور طرف ثالث، ولم يعد الأمر متروكاً للتقدير الأخلاقي أو العُرف الطبي كما هو الحال في بعض الأنظمة المحلية ، فالعالم تجاوز فكرة “الثقة المطلقة في ضمير الطبيب” أو “حياء المريض”، وصاغ قواعد “المرافق الطبي” في المنظومات الصحية المتقدمة، حيث يُطلق على الطرف الثالث (الممرضة أو المرافقة) مصطلح قانوني وطبي شهير وهو
“المرافق الطبي” (Medical Chaperone). وحضور هذا المرافق تحول في العديد من الدول من مجرد “أدب مهني” إلى التزام قانوني صارم وسياسة مؤسسية إجبارية، لحماية طرفي العلاقة.
- 1 – بريطانيا (المجلس الطبي العام – GMC)
في المملكة المتحدة، يصدر المجلس الطبي العام إرشادات صارمة ومحدثة تُعتبر بمثابة قانون مهني يُحاسب عليه الطبيب جنائياً وتأديبياً:
- حق أصيل: يجب على الطبيب عرض وجود “Chaperone” مرافق طبي، وعادة ما تكون (ممرضة مدربة) قبل إجراء أي فحص حساس (Intimate Examination) مثل الفحوصات الجيولوجية، أو الشرجية، أو الصدرية، بغض النظر عن جنس الطبيب أو جنس المريض.
- التوثيق الإلزامي: إذا وافق المريض أو رفض، يجب على الطبيب تدوين ذلك في السجل الطبي الإلكتروني فوراً وكتابة اسم الممرضة الحاضرة.
- حالة الرفض: إذا رفض المريض حضور الممرضة، وكان الطبيب يشعر بعدم الارتياح لإجراء الفحص بمفرده، يحق للطبيب رفض إجراء الفحص (ما لم تكن حالة طارئة منقذة للحياة) وإحالة المريض لطبيب آخر.
- 2–الولايات المتحدة الأمريكية (الجمعية الطبية الأمريكية) AMA
الجمعية الطبية الأمريكية واللجان المشتركة لاعتماد المستشفيات (JCI) تفرض سياسات صارمة تُربط بها تراخيص المستشفيات:
- وجود المرافقة (Chaperone) هو سياسة مؤسسية إلزامية في معظم المستشفيات الأمريكية عند فحص العورات أو الفحوصات الحساسة.
- لا يُنظر للممرضة هنا كـ “مُتفرجة”، بل كـ شاهد قانوني وحامٍ لخصوصية المريض (Patient Advocate). وجودها يمنع أي اتهام كاذب بالتحرش ضد الطبيب، وفي نفس الوقت يمنع أي استغلال أو ملامسة غير مبررة من الطبيب للمريض الخاضع للفحص أو الواقع تحت تأثير مهدئ.
وختامًا.. إن صون حرمة جسد المريض ليس منحة تجود بها المنشآت الطبية، بل هو سياجٌ قانوني وأخلاقي فرضته الشريعة الإسلامية قبل المواثيق الدولية وقيدت به سلطة الطبيب. المرض قد يسلب الجسد قوته مؤقتاً، لكنه أبداً لا يسلب الإنسان كرامته.. ولا ينبغى أن يدفع المريض ثمن سلامة جسده أنتهاك كرامته.







